الإعتراض:

“فَفَتَحَ الرَّبُّ فَمَ الأَتَانِ، فَقَالَتْ لِبَلْعَامَ: «مَاذَا صَنَعْتُ بِكَ حَتَّى ضَرَبْتَنِي الآنَ ثَلاَثَ دَفَعَاتٍ؟» فَقَالَ بَلْعَامُ لِلأَتَانِ: «لأَنَّكِ ازْدَرَيْتِ بِي. لَوْ كَانَ فِي يَدِي سَيْفٌ لَكُنْتُ الآنَ قَدْ قَتَلْتُكِ». فَقَالَتِ الأَتَانُ لِبَلْعَامَ: «أَلَسْتُ أَنَا أَتَانَكَ الَّتِي رَكِبْتَ عَلَيْهَا مُنْذُ وُجُودِكَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ؟ هَلْ تَعَوَّدْتُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ هَكَذَا؟» فَقَالَ: «لاَ». (العدد 22: 28-30).

ويقول المُعترض هذه خرافة كيف لأتان أن يتكلم.

الرد:

أوّلاً: قصة رمزية تعليمية

في الكتاب المقدس تُستخدم أساليب أدبية مثل الأسلوب البلاغي النبوي لإيصال فكرة التوبيخ.

فيمكن اعتبار هذه القصة ضمن أكثر من نمط أدبي في الكتاب المقدس: فقد تكون قصة رمزية نبوية تحمل رسالة لاهوتية عميقة، أو حدثًا معجزيًا استثنائيًا استخدمه الله لإيصال إنذار، أو أسلوبًا تصويريًا (دراميًا) يُبرز الحقيقة الروحية من خلال مشهد غير مألوف. وهي بذلك تندرج ضمن الأدب النبوي الذي يجمع بين الرمز والواقع لخدمة المعنى المقصود.

الرسالة في هذه القصة عميقة فهي تتحدث أن بلعام لم يرَ ملاك الرب بينما الأتان رآه، المفارقة هي أنّ من يُفترض أنه “بصير روحيًا” (بلعام) كان أعمى، والحيوان (الأتان) أبصر منه.

وحتى لو أخذناها حرفياً إذا كان المُعترض يقبل أصلًا بوجود إله قادر، فاعتراضه هنا يصبح انتقائيًا؛ لأن نفس القدرة الإلهية التي تخلق الإنسان القادر على الكلام يمكنها أن تُنطق حيوانًا بشكل مؤقت.

ثانياً: تعليم الكنيسة الكاثوليكية

فقرة 115 في تقليد قديم أنّه من الممكن تمييز معنيين للكتاب المقدس: المعنى الحرفي ، والمعنى الروحي ، على أن يُقسم هذا الأخير إلى معنًى مجازي ، ومعنًى أدبي ، ومعنى تفسيري.

ثالثاً: تفسير اليهود

يقول الرابي موسى بن ميمون Rambam في كتابه Moreh Nevuchim :
Moreover, the Rambam believes that certain episodes in the Torah are not be understood literally…
In this chapter of the Moreh Nevuchim the Rambam writes that Yaakov Avinu’s wrestling with an angel was merely a prophetic vision as was the story of Bilam’s talking donkey.
وترجمته:
علاوة على ذلك، يعتقد Rambam أن بعض الأحداث في التوراة لا ينبغي فهمها حرفياً…
في هذا الفصل من كتاب “Moreh Nevuchim”، يكتب Rambam أن مصارعة يعقوب أبينو مع ملاك لم تكن سوى رؤية نبوية، وكذلك قصة حمار بلعام المتكلم.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Depths_of_Yonah

إذا ما يؤكده الرابي Rambam أنه لا ينبغي أخذ كل التوراة بحرفيتها ومنها قصة الحمار المتكلم ويقول انها رؤية.

رابعاً: إسلامياً

قصة بلعام مُشار اليها بالقرآن بسورة الأعراف 175 وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِیۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ ءَایَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِینَ

تفسير الطبري:
مسألة ١٥٤١١: وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: “بلعم” وكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم، فكفر، وأتى الجبارين، فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوةً فيهلكون! وكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساءَ من عِظَمهنّ، فكان ينكح أتانًا له.
١٥٤١٤ – حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد، وعكرمة، عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابًا.(١٢)
وقال آخرون: بل كان أوتي النبوّة.

تفسير ابن كثير:
وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا انْقَضَّتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الْمَائِدَةِ:٢٦] بَعَثَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ نَبِيًّا، فَدَعَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْجَبَّارِينَ، فَبَايَعُوهُ وَصَدَّقُوهُ. وَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: “بَلْعَمُ” وَكَانَ عَالَمًا، يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الْمَكْتُومَ، فَكَفَرَ -لَعَنَهُ اللَّهُ -وَأَتَى الْجَبَّارِينَ وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَرْهَبُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنِّي إِذَا خَرَجْتُمْ تُقَاتِلُونَهُمُ أَدْعُوَا عَلَيْهِمْ دَعْوَةً فَيَهْلِكُونَ! وَكَانَ عِنْدَهُمْ فِيمَا شَاءَ مِنَ الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، يُعَظِّمُهُنَّ(٢٠) فَكَانَ يَنْكِحُ أَتَانًا لَهُ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى(٢١) ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾

وجاء بكتاب تاريخ الطبري تاريخ الأمم والملوك المجلد الأول صفحة ٢٦٠:
تكلمت الأتان وقالت لبلعام : انت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار! ويلي منك! ولو اني أطلقت الخروج لخرجت بك. ولكن هذا الملك يحبسني…