الإعتراض:

“وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: «كَلِّمْ هَارُونَ قَائِلًا: إِذَا كَانَ رَجُلٌ مِنْ نَسْلِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ فِيهِ عَيْبٌ فَلَا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ خُبْزَ إِلَهِهِ. لأَنَّ كُلَّ رَجُلٍ فِيهِ عَيْبٌ لَا يَتَقَدَّمْ. لَا رَجُلٌ أَعْمَى وَلَا أَعْرَجُ، وَلَا أَفْطَسُ وَلَا زَوَائِدِيٌّ، وَلَا رَجُلٌ فِيهِ كَسْرُ رِجْلٍ أَوْ كَسْرُ يَدٍ، وَلَا أَحْدَبُ وَلَا أَكْشَمُ، وَلَا مَنْ فِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ، وَلَا أَجْرَبُ وَلَا أَكْلَفُ، وَلَا مَرْضُوضُ الْخُصَى. كُلُّ رَجُلٍ فِيهِ عَيْبٌ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ الْكَاهِنِ لَا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ وَقَائِدَ الرَّبِّ. فِيهِ عَيْبٌ لَا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ خُبْزَ إِلَهِهِ. خُبْزَ إِلَهِهِ مِنْ قُدْسِ الأَقْدَاسِ وَمِنَ الْقُدْسِ يَأْكُلُ. لكِنْ إِلَى الْحِجَابِ لَا يَأْتِي، وَإِلَى الْمَذْبَحِ لَا يَقْتَرِبُ، لأَنَّ فِيهِ عَيْبًا، لِئَلاَّ يُدَنِّسَ مَقْدِسِي، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ مُقَدِّسُهُمْ».” (لاويين 21: 16-23).

ويقول المُعترض الكتاب المقدس يحتقر المعاقين ويرفضهم دون أي ذنب اقترفوه.

الرد:

أوّلاً: المعاقين في العالم القديم

في العالم القديم (مصر، بابل، اليونان): كثير من المعاقين كانوا يُستبعدون اجتماعياً، حتى
أنها كانت تقتل الأطفال ذوي الإعاقة…

ولمن يحب المراجع: كتاب Disability in Antiquity
للمحرر Christian Laes تناول الكتاب كيف كانوا أصحاب الإعاقات يُطردون من الجماعة ويُستغلون وحتى يُقتلون وهم رُضّع، جاء مثلا في الصفحة ال٧ من الكتاب ما حرفيته:

Ancient disability history first focused on the case of disabled babies and their chances
of survival in a world where exposure and infanticide were rampant (Eyben 1980–1; Harris
1994; Laes 2008: 92–9).

وترجمته:
ركز تاريخ الإعاقة المبكرة في البداية على حالة الأطفال الرضع المعاقين وفرص بقائهم على قيد الحياة في عالم كان فيه التعرض وقتل الأطفال منتشراً (Eyben 1980-1؛ Harris 1994؛ Laes 2008: 92-9).

ثانياً: الكتاب المقدس

الكتاب يحمي ذوي الاحتياجات الخاصة ويأمر بإحتضانهم ومحبتهم بعكس ما كان مُشاع
في العالم القديم..
ففي هكذا عالم قاسي احتضن الكتاب المقدس ذوي الاحتياجات الخاصة وأوصى برحمتهم وشملهم برحمة لا مثيل لها.

والأدلة كثيرة:
ومن نفس السفر الذي يستشهد فيه المُعترض لكي يقول ان الكتاب المقدس يحتقر
المعاقين ..
جاء في سفر اللاويين 19:14
“لا تسبّ الأصم، وأمام الأعمى لا تجعل معثرة، بل اتقِ إلهك. أنا الرب.
إذا سفر اللاويين ربط الإساءة إلى الأصم والأعمى بتقوى الله إذا من يرفض رحمتهم ويسيء لهم كأنه أساء للرب الإله نفسه.

سفر الخروج ٤ ١١
“من صنع للإنسان فماً؟ أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيراً أو أعمى؟ أليس أنا الرب؟”
هذه الآية تدل أن الإعاقة ليست علامة رفض إلهي، وأنه يحبهم وهم صنع يديه..

“مَلْعُونٌ مَنْ يُضِلُّ الأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.” (تثنية 27: 18).
هذه الآية توضح كم ان الرب الإله يأمر بحمايتهم وعدم إستغلال حالتهم.

“حينئذ تتفتح عيون العمي، وآذان الصم تتفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالإيل.”(أشعيا ٣٥: ٥-٦)
وعد الخلاص يشملهم فكيف يكونون مرفوضين حسب قول المُعترض؟

وَلَا يَقُلِ الْخَصِيُّ: «هَا أَنَا شَجَرَةٌ يَابِسَةٌ»…«إِنِّي أُعْطِيهِمْ فِي بَيْتِي وَفِي أَسْوَارِي نُصُبًا وَاسْمًا أَفْضَلَ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ. أعْطِيهِمِ اسْمًا أَبَدِيًّا لَا يَنْقَطِعُ.
(أشعيا ٥٦: ٣-٥)
أعطاهم كرامة خاصة.

اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ (متى ١١: ٥)
لم يرفضهم المسيح بل كانوا علامة حضور ملكوت الرب.

“بَلْ إِذَا صَنَعْتَ ضِيَافَةً فَادْعُ: الْمَسَاكِينَ، الْجُدْعَ، الْعُرْجَ، الْعُمْيَ، فَيَكُونَ لَكَ الطُّوبَى إِذْ لَيْسَ لَهُمْ حَتَّى يُكَافُوكَ، لأَنَّكَ تُكَافَى فِي قِيَامَةِ الأَبْرَارِ».” (لوقا 14: 13-14).
يسوع يطلب دعوتهم وقبولهم اجتماعياً ويعد بمكافأة لمن يقبلهم.

“وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هَذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ هَذَا أَخْطَأَ وَلَا أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ.” (يوحنا 9: 1-3).
هذه الآية مهمة لأنها تظهر ان ذوي الاحتياجات الخاصة ليس مخطئ وان أعمال الرب الإله ستظهر من خلال هؤلاء الأحباء على قلب الرب.

ثالثاً: التعليم الكنسي
كتاب تعليم الكنيسة الكاثوليكية

الفقرة ٢٢٧٧ مهما كانت دوافعه ووسائله، فإن القتل الرحيم المباشر يضع حدًا لحياة أشخاص معاقين أو مرضى أو محتضرين. وهو أمر مرفوض أخلاقيًا.
تعليقي :
الكنيسة هنا تؤكد أن حياة الشخص المعاق لها نفس الكرامة، وانه لا يجوز إنهاء حياته بسبب إعاقته أو مرضه

الفقرة ١٩٣٥ يجب أن يُقضى على كل شكل من أشكال التمييز في الحقوق الأساسية للشخص البشري… سواء قام على الجنس أو العرق أو اللون أو الوضع الاجتماعي أو اللغة أو الدين.
تعليقي:
أي تمييز قائم على الإختلاف أو الضعف الجسدي يدخل ضمن ما يجب رفضه.

الفقرة ٢٢٧٠ «يجب أن تُحترم الحياة البشرية وتُصان على نحو مطلق منذ لحظة الحبل بها.»
تعليقي:
وهذا يمنع القتل أو إجهاض الأجنة الذين يُكتشف لديهم تشوه أو إعاقة.

خلاصة التعليم الكنسي :

  • كرامة مطلقة لكل إنسان
  • رفض القتل الرحيم بدافع الإعاقة
  • رفض الإجهاض بسبب تشوه
  • رفض أي شكل من أشكال التمييز
  • دعوة المجتمع إلى التضامن والرحمة

رابعاً: تشريع كهنوتي طقسي.

المُعترض يجهل أن ما جاء في سفر اللاويين ٢١ هو تشريع كهنوتي طقسي وليس حكماً اخلاقياً على المعاقين .

لأوضح الفكرة في التشريع الطقسي :

على الكهنة في العهد القديم أن يكونوا من سبط لاوي، وتحديداً من نسل هرون:

وَأَمَّا أَنْتَ فَقَرِّبْ إِلَيْكَ هَارُونَ أَخَاكَ وَبَنِيهِ مَعَهُ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَكْهَنُوا لِي (سفر الخروج ٢٨ ١)
فهل بقية الأسباط ومن هم ليسوا من نسل هارون محتقرون ؟؟

على الكهنة والخدام ان يكونوا بعمر محدد من ٣٠ إلى ٥٠ عام :

“مِنِ ابْنِ ثَلاَثِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا إِلَى ابْنِ خَمْسِينَ سَنَةً، كُلِّ دَاخِلٍ فِي الْجُنْدِ لِيَعْمَلَ عَمَلًا فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ.” (عدد 4: 3).
فهل من أعمارهم تحت الثلاثين وفوق الخمسين سنة محتقرون؟
للمعلومات بعدها تم تعديل السن إلى ٢٥ سنة
هَذَا مَا لِلاَّوِيِّينَ: مِنِ ابْنِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا يَأْتُونَ لِيَتَجَنَّدُوا أَجْنَادًا فِي خِدْمَةِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ.” (عدد 8: 24).

الكهنة كانوا يجب أن يكونوا من الذكور:
وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «كَلِّمْ الْكَهَنَةَ بَنِي هَارُونَ (لاويين ٢١ ١ )
فهل هذا يعني أن النساء محتقرون؟

إذا بناء لما تقدم الكتاب المقدس لا يقول احتقروا المعاقين، واحتقروا من هم ليسوا من سبط لاوي، واحتقروا من هم ليسوا من نسل هارون، واحتقروا من هم تحت سن ال٣٠ أو ال٢٥، واحتقروا ومن هم فوق الخمسين ، واحتقروا النساء …
كل ما جاء هو تحديد وظيفي طقسي محدد وهو الاقتراب إلى المذبح لتقديم الذبيحة.

خامساً: Law of context

عندما نقرأ النص كامل نجد في اللاويين ٢١ ٢٢ ما حرفيته أن المعاق يأكل من خبز الهه ولكن كوظيفة طقسية لا يقوم بها ..
تقول الآية : خُبْزَ إِلَهِهِ مِنْ قُدْسِ الأَقْدَاسِ وَمِنَ الْقُدْسِ يَأْكُلُ.

إذا المعاق الكاهن لا يمنع من الشركة مع الرب الإله ، لا يحرم من الاكل من التقدمات، لا يطرد من الجماعة ، لا يعتبر أقل قيمة.

فقط لا يقترب من المذبح لتقديم الذبيحة نشدد كوظيفة طقسية.

سادساً: الرمزية

العبرانيين ١
١ اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ،
٢ كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ

وجاء في العبرانيين ١٠ ١ لأَنَّ النَّامُوسَ، إِذْ لَهُ ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ

إذا في العهد القديم كان يكلمنا الرب برموز واشارات وظلّ، فما هي رمزية عدم تقديم الذبيحة من قبل معاق .

في رمزيتها الليتورجية:

كما ان الذبيحة يجب أن تكون بلا عيب لأنها رمز للفادي المسيح الذي هو دون خطيئة .

كذلك الكاهن هو رمز للمسيح الذي يجب أن يكون دون عيب أي بدون خطيئة .

“كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ عَيْبٌ لَا تُقَرِّبُوهُ لأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلرِّضَا عَنْكُمْ.” (لاويين 22: 20).

“تَكُونُ لَكُمْ شَاةً صَحِيحَةً ذَكَرًا ابْنَ سَنَةٍ، تَأْخُذُونَهُ مِنَ الْخِرْفَانِ أَوْ مِنَ الْمَوَاعِزِ.” (خروج 12: 5).

لاَ تَذْبَحْ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ ثَوْرًا أَوْ شَاةً فِيهِ عَيْبٌ، شَيْءٌ مَّا رَدِيءٌ، لأَنَّ ذَلِكَ رِجْسٌ لَدَى الرَّبِّ إِلَهِكَ (تثنية ١٧ ١)

“عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لَا بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلَا دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ،” (1 بط 1: 18-19).

“فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!” (عبرانيين 9: 14).

وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلَامِ فَهُوَ: أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هَذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ (عبرانيين ٨ ١)

سابعا”: التفسير اليهودي

الذي يؤكد ان هذا تشريع طقسي ليتورجي فقط مختص بالكهنة الذي يقدمون الذبيحة .

يقول الرابي Steinsaltz :

Speak to Aaron. The following matter is addressed to Aaron, as it introduces an additional aspect of his priesthood. You shall speak to him, saying: Any man from your descendants, the priests, throughout their generations, in whom there shall be a blemish shall not approach to offer the food of his God, to perform the divine service.

وترجمته:
تحدث إلى هارون. الأمر التالي موجه إلى هارون، إذ يُضيف جانبًا آخر من كهنوته. قل له: أي رجل من نسلك، من الكهنة، في جميع أجيالهم، فيه عيب، لا يتقدم ليقدم طعام إلهه، ليؤدي الخدمة الإلهية.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Leviticus.21.17?lang=bi&with=Steinsaltz

ثامنا: اسلامياً

سورة عبس ١-٢ عبس وتولى أن جاءه الأعمى
تفسير الطبري :
عن عائشة قالت: أنـزلت ( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) في ابن أمّ مكتوم قالت: أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: أرشدني، قالت: وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظماء المشركين، قالت: فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يُعْرِض عنه، ويُقْبِل على الآخر..

شخص أعمى يرفضه رسول الإسلام لا بل يرفض حتى أن ينظر إليه ويحيد وجهه عنه.