الإعتراض:

فَقَالَ: جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ. (تثنية 33: 2).

ويقول المُعترض هذه نبوءة عن رسول الإسلام محمد لأنه من نسل اسماعيل ومعروف ان اسماعيل سكن في برية فاران (التكوين 21: 21) ويضيف ان “فاران” أو “باران” هو تعبير عن جبال مكة المكرمة.

الرد:

أوّلاً: Law of context

بقراءة السياق نعلم ان الإصحاح ليس نبوءة مستقبلية بل هو بركة موسى الأخيرة بأسلوب تسبيحي شعري يذكّر بأحداث الخروج لبني إسرائيل قبل موته.

وهذا يتّضح من اول آية بالإصحاح
وَهَذِهِ هِيَ الْبَرَكَةُ الَّتِي بَارَكَ بِهَا مُوسَى، رَجُلُ اللهِ، بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ مَوْتِهِ (تثنية 33: 1)

موسى يذكّرهم بالخروج معه من أرض مصر وكيف الرب قادهم في هذه المسيرة.
وليست نبوءة مستقبلية كما يظهر من السياق.
كما يظهر إستخدام موسى لصيغة الماضي قائلاً: “جاء الرب”، “أشرق لهم”، “تلألأ”،… إذا استخدام أفعال الماضي يؤكد انها أحداث قد إختبرها الشعب وموسى مع الرب الإله بمسيرة الخروج وليست أحداث مستقبلية منتظرة.

ثانياً: مسيرة الخروج وأحداثها

بتحليل للآية الثانية وتحديد كل عبارة متى حصلت في الماضي مع موسى والشعب، سندحض الأكاذيب بأنها نبوءة مستقبلية عن نبي اسماعيلي

١- جاء الرب من سيناء:

“وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ، وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا. فَكَانَ صَوْتُ الْبُوقِ يَزْدَادُ اشْتِدَادًا جِدًّا، وَمُوسَى يَتَكَلَّمُ وَاللهُ يُجِيبُهُ بِصَوْتٍ.” (خروج 19: 18-19).

“وَنَزَلَ الرَّبُّ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ، إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ، وَدَعَا اللهُ مُوسَى إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ. فَصَعِدَ مُوسَى.” (خروج 19: 20).

٢- وأشرق لهم من سعير:

“يَا رَبُّ بِخُرُوجِكَ مِنْ سِعِيرَ، بِصُعُودِكَ مِنْ صَحْرَاءِ أَدُومَ، الأَرْضُ ارْتَعَدَتِ. السَّمَاوَاتُ أَيْضًا قَطَرَتْ. كَذَلِكَ السُّحُبُ قَطَرَتْ مَاءً. تَزَلْزَلَتِ الْجِبَالُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، وَسِينَاءُ هَذَا مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ.” (قضاة 5: 4-5).

وَأَوْصِ الشَّعْبَ قَائِلًا: أَنْتُمْ مَارُّونَ بِتُخْمِ إِخْوَتِكُمْ بَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سِعِيرَ (التثنية 2: 4)

٣- وتلألأ من جبل فاران:

فَارْتَحَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي رِحْلاَتِهِمْ مِنْ بَرِّيَّةِ سِينَاءَ، فَحَلَّتِ السَّحَابَةُ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ.
(العدد 10: 12)

وَكَانَتْ سَحَابَةُ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ نَهَارًا فِي ارْتِحَالِهِمْ مِنَ الْمَحَلَّةِ.
(العدد 10: 34)

٤- وأتى من ربوات القدس:
أي وأتى معه ربوات الملائكة (الترجمة السبعينية القديمة)

وهذا ما وصفه المزمور أيضا في سيناء بمسيرة الخروج.

مَرْكَبَاتُ اللهِ رِبْوَاتٌ، أُلُوفٌ مُكَرَّرَةٌ. الرَّبُّ فِيهَا. سِينَا فِي الْقُدْسِ. (مزمور 68: 17).

٥- وعن يمينه نار شريعة لهم:

يمينه أي قوة الله وسلطانه والمقصود ان شريعة الله خرجت من قوة الله وسلطانه.
واستخدام لفظة “النار” تؤكد أن الحدث المقصود هو ما حصل معهم في الخروج.

وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ (الخروج 19: 18)

فَكَلَّمَكُمُ الرَّبُّ مِنْ وَسَطِ النَّارِ
(التثنية 4: 12)

بعد تحليل كل عبارة منفردة واين حصلت بالضبط بين الرب وموسى برفقة الشعب ، ومتى حصلت أثناء رحلة الخروج ، هل من عاقل موضوعي يتجرأ بالقول ان هذه نبوءة عن محمد ؟

ثالثاً: إنتقائية الإستشهاد
Selective Evidence Fallacy

وهو ما فعله المعترض قام بإسقاط دلالة أحادية على موقع (وهو فاران) متعدد الأحداث.

فقال المُعترض أن اسماعيل سكن في برية فاران
وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ
(التكوين ٢١ ٢١)

ولكن موسى يذكر بني إسرائيل بمرحلة مهمة أثناء رحلة الخروج وحضور الرب الإله بفاران وهذا حدث مشهور.

فَارْتَحَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي رِحْلاَتِهِمْ مِنْ بَرِّيَّةِ سِينَاءَ، فَحَلَّتِ السَّحَابَةُ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ. (العدد 10: 12)

رابعا”: في الجغرافيا هل فاران هي مكة؟

فاران هي جزء من منطقة برية متصلة بسيناء ، شمال شرق سيناء، وهي ضمن تحركات بني إسرائيل.

مكة في الحجاز غرب الجزيرة العربية ، خارج نطاق مسيرة الخروج لبني إسرائيل تماماً

مكة تبعد مئات الكيلومترات جنوب برية فاران التوراتية.

خامسًا: تفسير اليهود

قال الرابي Rashi:
THE LORD] CAME FROM SINAI — He went forth towards them when they were about to take their stand at the foot of the Mount, — as a bridegroom goes forth to welcome his bride, as it is said, (Exodus 19:17) “And Moses brought the people forth to meet God”: this teaches us that He (God) was Himself going forth facing them (cf. Mekhilta and Rashi on the verse quoted)…
…Understand this as the Targum has it: a law which was given them from the midst of the fire (cf. Exodus 19:18).

وترجمته:
جاء الرب من سيناء – خرج نحوهم عندما كانوا على وشك الوقوف عند سفح الجبل، – كما يخرج العريس لاستقبال عروسه، كما قيل (خروج ١٩: ١٧) “وأخرج موسى الشعب للقاء الله”: هذا يعلمنا أنه (الله) كان هو نفسه يخرج في مواجهتهم.
افهم هذا كما ورد في الترجمة الآرامية: شريعة أُعطيت لهم من وسط النار (انظر سفر الخروج ١٩: ١٨).

المصدر:

https://www.sefaria.org/Deuteronomy.33.2?lang=bi&with=Rashi

ويقول الرابي Steinsaltz:
Before addressing each tribe individually, Moses speaks to the entire nation and describes before them the most significant event in the Bible, and perhaps in history. He said: The Lord came from Sinai, and shone from Se’ir for them, Israel. The revelation at Sinai is described as an appearance of light emanating from several directions. He appeared from Mount Paran, and He came from the
holy myriads, the angels. The verse may also mean that God appeared to them with a proliferation of holiness, or that He who is exalted above all holiness appeared from Mount Paran. From His right He brought a fiery law to them. This refers to the Torah, which was given in a fiery display and whose statements are like fire.
وترجمته:
قبل أن يخاطب موسى كل سبط على حدة، خاطب الأمة بأسرها، واصفًا لهم أهم حدث في الكتاب المقدس، وربما في التاريخ. قال: «جاء الرب من سيناء، وأشرق من سعير لأجلهم، إسرائيل». وُصِفَ الوحي في سيناء بأنه ظهور نور منبثق من عدة جهات. «ظهر من جبل فاران، وجاء من الألوف المقدسة، أي الملائكة». قد تعني الآية أيضًا أن الله ظهر لهم بفيض من القداسة، أو أن من هو فوق كل قداسة ظهر من جبل فاران. «ومن يمينه أنزل عليهم شريعة نارية». وهذا يشير إلى التوراة، التي أُنزلت في مشهد ناري، وكانت كلماتها كالنار.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Deuteronomy.33.2?lang=bi&with=Steinsaltz

إذا تفاسير اليهود تؤكد أن موسى يتكلم مع بني إسرائيل عن رحلة الخروج وقيادة الرب لهم في سيناء، سعير وفاران وان نار الشريعة هي التوراة.

خلاصة:
عند تطبيق مبدأ قراءة النص في سياقه، يتبيّن أن تثنية 33 ليست نبوءة مستقبلية، بل تسبيح شعري يذكّر بني إسرائيل بأحداث الخروج وإعلان الشريعة في سيناء. كل عبارة في الآية الثانية يمكن تتبعها تاريخيًا في أسفار الخروج والعدد والقضاة والمزامير، حيث ظهر الرب في سيناء، ومرّ الشعب بسعير وفاران، وأُعطيت الشريعة من وسط النار. الجغرافيا تؤكد أن فاران التوراتية ضمن مسيرة الخروج في شبه جزيرة سيناء، لا في الحجاز. كما أن التفاسير اليهودية القديمة والحديثة تجمع على أن النص يصف وحي سيناء، لا شخصية مستقبلية. لذلك فالقول إنه نبوءة عن محمد هو إسقاط انتقائي معزول عن السياق والتاريخ والتفسير الأصلي للنص.