الإعتراض:
قَدْ صِرْتُ غَبِيًّا وَأَنَا أَفْتَخِرُ.
(2 كورنثوس 12: 11).
ويقول المُعترض بولس الرسول غبي كما قال عن نفسه وأستطيع ان اتهمك بالغباء كما وصف نفسه معلمك بولس.
الرد:
أولاً: Law of context
لنفهم السياق علينا قراءة الإصحاح ١١ من الرسالة نفسها حيث بولس الرسول يتكلم عن رسل كذابون
٢ كورنثوس ١١ ١٣ لأَنَّ مِثْلَ هَؤُلاَءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ.
إذاً بولس الرسول بدأ كلامه بإنتقاد هؤلاء المتكبرين الذين يتفاخرون بأنفسهم…
من بعدها بدأ بولس رسول بتعداد آلامه لأجل المسيح والمؤمنين. وهذا كله موجود بالإصحاح الحادي عشر :
22 أَهُمْ عِبْرَانِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَأَنَا أَيْضًا.
23 أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ، فَأَنَا أَفْضَلُ: فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً.
24 مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً.
25 ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلًا وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ.
26 بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُولٍ، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ.
27 فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ.
28 عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ.
29 مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لَا أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لَا أَلْتَهِبُ؟
30 إِنْ كَانَ يَجِبُ الافْتِخَارُ، فَسَأَفْتَخِرُ بِأُمُورِ ضَعْفِي.
31 اَللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ، يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ.
32 فِي دِمَشْقَ، وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مَدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي،
33 فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيلٍ مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ.
حتى يصل إلى الإصحاح الثاني عشر:
١ وإن كان لا بد لي من الافتخار مع أنه لا نفع منه فانتقل إلى الكلام على رؤى الرب وما كشفه لي.
إذا سياق النص بولس الرسول يرد على الرسل الكذبة الذي يفتخرون كذباً وزوراً وهو يعدد بالحق ما عناه لأجل المسيح وكنيسته لحماية أهل كورنثوس وتحذيرهم وليس لهدف الإفتخار.
ثانياً: حكمة بولس الرسول
هذه الرسالة بالأخص تؤكد حكمة ومعرفة وعظمة بولس الرسول
٢ كورنثوس ١١ ١٦ أُكرر القول: لا يظن أحد أنّي جاهل…
هنا بولس واضح بكلامه انه ليس جاهل
٢ كورنثوس ١١ ٥ ولا أظن أني أقل شأناً من أولئك الرسل العظام.
هنا بولس الرسول يقرّ أنه من الرسل العظام ، فهل ينقص الرسول العظيم ذكاء وحكمة
٢ كورنثوس ١١ ٦ فإن أعوزتني الفصاحة، فلا تعوزني المعرفة
هنا بولس يؤكد انه لا تنقصه معرفة.
٢ كورنثوس ١٠ ١٠ الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ
حتى منتقديه يعترفون بحكمة وقوة وثقل الفكري لرسائل بولس الرسول ما يدل انه أبعد ما يكون عن الغباء والجهل
واخيرا من نفس الإصحاح ١٢:
«فَإِنِّي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَفْتَخِرَ لَا أَكُونُ غَبِيًّا، لأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ»
(2 كورنثوس 12: 6).
ثالثاً: أسلوب ال
Irony
(Divine Foolishness)
Irony:
اي السخرية أو المفارقة البلاغية : وهو أن تقول شيئاً وتقصد عكسه أو أعمق منه.
Divine Foolishness:
وهو تعبير لاهوتي مأخوذ من فكر بولس الرسول نفسه .
مثلا عندما قال:
“لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! (1 كورنثوس 1: 25).
أي ما يبدو حماقة بالنسبة للناس هو حكمة إلهية.
مثل آخر:
نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ
(1 كورنثوس 4: 10).
وهو لا يقصد ان الرسل جهال بل يستخدم لغة المفارقة أن ما يبدو جهالة في العالم هو حكمة وقوة بنظر الرب الإله.
نفس الاسلوب عندما قال بولس الرسول
قد صرت غبياً وأنا أفتخر (٢كورنثوس ١٢: ١١)
فهو لا يقر بالجهل الحقيقي بل يرد على الرسل الكذبة ان إفتخارهم هو جهل، وأنه أفتخر عن حق للرد عليهم ، وبإسلوب المفارقة Irony (السخرية، التهكم) يقول بولس صرت غبياً وأفتخر…
وبذلك أعطى درس لاهوتي لكنيسة كورنثوس أن الافتخار بالنفس هو في حدّ ذاته حماقة روحيّة…
هو الذي قال بنفس الرسالة:
“وَأَمَّا: «مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ».” (2 كو 10: 17).
لمن يحب المراجع :
Margaret Thrall, International Critical Commentary on 2 Corinthians (Vol. 2, pp. 781–785)
سمّى Thrall ما فعله بولس الرسول
“The Fool’s Speech”
أي خطاب الحماقة أو قناع الحماقة ، تعمّد بولس على ارتدائه ليسخر من معايير خصومه(الرسل الكذبة ) الذين يفتخرون، ليوضح ان الإفتخار بالذات مرفوض لاهوتياً.
رابعاً: شهادة المسيح والرسل
يقول ربنا وإلهنا يسوع المسيح في يوحنا ٥ ٣١ إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا.
فلنرى ماذا شهد الرسل لبولس الرسول بالغباء أو الذكاء؟
- شهادة رأس الكنيسة بطرس:
“وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ.”
(2 بط 3: 15-16).
نلاحظ: اعتراف بحكمة بولس ، ما يكتبه مصدره إلهي، عمق ما يكتبه وثقله، وايضاً من لا علم له يحرف معنى كلامه كما يحصل مع المعترض بهذا الإعتراض. - شهادة يعقوب ويوحنا بالإضافة لصفا للمرة الثانية: “بَلْ بِالْعَكْسِ، إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الْخِتَانِ. فَإِنَّ الَّذِي عَمِلَ فِي بُطْرُسَ لِرِسَالَةِ الْخِتَانِ عَمِلَ فِيَّ أَيْضًا لِلأُمَمِ. فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ نَحْنُ لِلأُمَمِ، وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ.” (غلاطية 2: 7-9).
نلاحظ: اعترافهم بنعمته(من الحكمة وغيرها) ودعوته وأعلنوا الشركة الرسولية معه. - شهادة لوقا من كتبة الأناجيل:
“لأَنَّهُ كَانَ بِاشْتِدَادٍ يُفْحِمُ الْيَهُودَ جَهْرًا، مُبَيِّنًا بِالْكُتُبِ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ.” (أعمال 18: 28).
نلاحظ: ان بولس كان شديد الحكمة والمعرفة ومناظر قوي. وايضا قال ربنا يسوع المسيح في يوحنا ٥ ٣٤ وَأَنَا لَا أَقْبَلُ شَهَادَةً مِنْ إِنْسَانٍ
شهادة الرب الإله لبولس الرسول
“فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبْ! لأَنَّ هَذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ.” (أعمال 9: 15).
نلاحظ: اختيار إلهي مباشر لبولس.
خامساً: إسلامياً
وبنفس المنطق الذي يعترض فيه المعترض محمد رسول الإسلام في صحيح البخاري ومسلم يصف نفسه بالجهل أي الغباء ويدعو ربه ان يغفر له جهله وخطيئته.
عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه كانَ يَدْعُو بهذا الدُّعَاءِ: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي وجَهْلِي
الراوي : أبو موسى الأشعري | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 6398 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه مسلم (2719) باختلاف يسير
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ (سورة الأعراف ١٥٧)
وقال أيضا رسول الإسلام محمد في صحيح البخاري ومسلم :
إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ…
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 1913 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه مسلم (1080) باختلاف يسير
وأخيراً ما هو تفسير “جهلي” وأميّ من معجم المعاني؟
معجم المعاني:
إِنَّهُ جَاهِلٌ لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ : العَامِّيُّ، الغَبِيُّ، الأُمِّيُّ
