الإعتراض:
وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلَهُكَ إِلَى يَدِكَ فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. (تثنية 20: 13).
ويقول المُعترض هذا أمر إلهي بالقتل.
الرد:
أولاً: Law of context
بقراءة السياق يتوضح لنا:
سفر التثنية 20 لا يقدّم أمر إلهي مباشر لقتل كل الذكور بالحرب، بل يتحدث بوضوح عن شريعة حرب ظرفية ومؤقتة مرتبطة بزمن معيّن، كما يظهر من افتتاحية الإصحاح:
«إِذَا خَرَجْتَ لِلْحَرْبِ عَلَى عَدُوِّكَ» (تثنية 20: 1).
كما أنه ليس تشريع إلهي بالقتل مباشر لكل إنسان، بل هو تنظيم عسكري أعلنه موسى، حيث وزّع الأدوار التنفيذية على:
الكاهن لتحفيز الشعب (آيات 2–3)
العرفاء (قادة الشعب) لتنظيمه (آية 5)
رؤساء الجنود لإدارة القتال (آية 9)
وهذا يؤكد أننا أمام بنية قيادية حربية، لا أمر إلهي عام.
والنقطة المهمة الذي يكشفه السياق أن قبل محاربة هؤلاء عليه دعوتهم للسلام
وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ، بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْبًا، فَحَاصِرْهَا. (تثنية 20: 12).
ويكون القتال مع الذكور من المحاربين وهذا ما ظهر في السياق لأن النساء والصغار يكونون غنيمة.
وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ، كُلُّ غَنِيمَتِهَا، فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ، وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ. (التثنية 20: 14)
كذلك، يحدّد النص نطاق التطبيق بشكل صريح، إذ يتكلم عن:
الْمُدُنِ الْبَعِيدَةِ مِنْكَ جِدًّا (تثنية 20: 15).
مما يعني أن هذا تنظيم ظرفي ليس موجه لكل الشعوب بل لفئة محدّدة في سياق حربي.
وعليه، فالنص لا يمكن اعتباره أمرًا إلهيًا يأمر بالقتل.
ثانياً: الكتاب المقدس
أمّا عندما نتكلم عن نصوص إلهية مباشرة فنجد وصية الرب واضحة من وصايا الله العشرة لموسى نفسه.
“لَا تَقْتُلْ.” (خروج 20: 13).
وهذا ما أعاد موسى تذكير الشعب به بنفس سفر التثنية:
“لَا تَقْتُلْ،” (تثنية 5: 17).
فدائماً السلاح عند موسى كان آخر سلاح فالسفر نفسه يقول :
حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ (تثنية 20: 10).
إلهنا يطلب منا أن نسعى للسلام:
اطْلُبِ السَّلاَمَةَ، وَاسْعَ وَرَاءَهَا. (مزمور 34: 14).
إلهنا يطلب منا أن نحب السلام:
هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ:..فَأَحِبُّوا الْحَقَّ وَالسَّلاَمَ.” (زكريا 8: 19).
إلهنا يُوصَف بأنه يُوقِف الحروب:
مُسَكِّنُ الْحُرُوبِ إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ. (مزمور 46: 9).
ويقول المسيح نفسه في الإنجيل بقطعية دلالة واضحة:
طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ. (متى 5: 9).
رغم أن الكتاب المقدّس يؤكّد بوضوح على السعي إلى السلام ورفض الحروب والقتل، إلا أنّ موسى، بصفته قائدًا للشعب، يبيّن أنه في حال كانت المدن البعيدة لا تقبل الصلح وتُصِرّ على القتال، يُسمح حينها باللجوء إلى الحرب.
ثالثاً: تفسير اليهود
جاء في تفسير المدراش
Devarim Rabbah 5:14
مدراش تثنية رَباه الفصل الخامس الفقرة ١٤:
Who fulfilled this passage? Joshua son of Nun. Rabbi Shmuel bar Naḥman said: What did Joshua do? He would publicize an edict in every place that he went to conquer. In it was written: ‘Anyone who wishes to leave, let him leave; whoever wishes to make peace let him do so; and whoever wishes to wage war, let him do so.’ What did the Girgashite nation do? It evacuated and went away from before them, and the Holy One blessed be He gave them a land as beautiful as their land – that is Africa. The Givonites, who made peace, Joshua made peace with them. But the thirty-one kings, who came to wage war with him, the Holy One blessed be He caused them to fall into his hands.
وترجمته:
من الذي حقق هذا النص؟ يشوع بن نون. قال الحاخام شموئيل بار نحمان: ماذا فعل يشوع؟ كان يُعلن مرسومًا في كل مكان يذهب إليه ليفتحه. كُتب فيه: «من أراد أن يرحل فليرحل، ومن أراد أن يصنع سلامًا فليصنع، ومن أراد أن يُحارب فليُحارب». ماذا فعل بنو جرجاش؟ هجروا أنفسهم ورحلوا من أمامهم، فأعطاهم الله أرضًا جميلة كأرضهم، وهي أفريقيا. أما الجفونيون الذين صنعوا السلام، فقد صنع يشوع السلام معهم. أما الملوك الواحد والثلاثون الذين جاؤوا ليحاربوه، فقد جعلهم الله يقعون في يديه.
المصدر:
https://www.sefaria.org/Deuteronomy.20.13?lang=bi&with=Devarim%20Rabbah
إذن تفسير اليهود يُوضّح لنا أن يشوع بن نون خليفة موسى طبّق هذا المبدأ الذي وضعه موسى، فكان يُعلن مرسومًا في كل مكان يذهب إليه ليحاربه، يعلن فيه:
“من أراد أن يرحل فليرحل، ومن أراد أن يصنع سلامًا فليصنع، ومن أراد أن يُحارب فليُحارب.”
اذاً هذا التفسير اليهودي يُفسّر عمليًا ما ورد في تثنية 20 13، ويُظهر بوضوح أن الأمر بالقتال ليس دعوة مفتوحة للقتل، بل هو مرحلة أخيرة بعد استنفاد كل خيارات السلام.
يُعطى العدو ثلاثة خيارات واضحة:
١- الانسحاب والمغادرة
٢- الصلح والسلام
٣- الإصرار على الحرب
رابعاً: تعليم الكنيسة الكاثوليكية
الفقرة 2304 أن احترام الحياة البشرية ونمّوها يقتضيان السلام. والسلام ليس غياب الحرب فقط،… إنه سكينة النظام. وهو عمل العدالة(أشعيا 32: 17) ، ونتيجة المحبة.
الفقرة 2308 على كل مواطن، وكل حاكم، أن يسعى لتجنب الحروب.
ولكن ما دام خطر الحرب قائماً، وما دام العالم خالياً من سلطة دولية ذات صلاحيات وذات قوات كافية، فلا يمكن إنكار ما للحكومات من حقٍ مشروعٍ في الدفاع، بعد استنفاد جميع إمكانات الحل السلمي.
الفقرة 2309 يجب التبصّر بدقة في الشروط الصارمة للدفاع المشروع بالقوة العسكرية: إنّ خطورة قرار كهذا تقتضي اخضاعه لشروط صارمة تتطلبها الشرعية الأخلاقية.
بناء عليه تعليم الكنيسة الكاثوليكية يقرّ بأن السلام هو الحالة الأصلية التي يجب السعي إليها، وأن تجنّب الحروب واجب على الجميع، ولا يُسمح باللجوء إلى القوة إلا كحلّ أخير بعد استنفاد جميع الوسائل السلمية. وهذا المبدأ ينسجم بشكل واضح مع ما ورد في سفر التثنية 20:13، حيث يُفهم النص على أنه يقدّم أولًا خيار الصلح قبل أي قتال، ولا ينتقل إلى المواجهة إلا في حال رفض السلام والإصرار على الحرب. كما يتقاطع هذا الفهم مع التفسير اليهودي لعمل يشوع بن نون، حيث كان يُعرض على المدن ثلاث خيارات: المغادرة أو قبول السلام أو خوض الحرب، ولا يُلجأ إلى القتال إلا بعد رفض الخيارين السلميين، مما يجعل الحرب إجراءً أخيرًا منظّمًا لا مبادرة ابتدائية للعنف.
خامساً: إسلامياً
فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (محمد 35)
آية قرآنية واضحة وصريحة ممنوع على المسلمين أن يدعوا إلى السلام وهم الأعلون اي أقوياء.
كنتُ جالسًا عندَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ أذالَ النَّاسُ الخيلَ ووضعوا السِّلاحَ وقالوا: لا جِهادَ قد وَضعتِ الحربُ أوزارَها فأقبلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ بوجهِهِ قال: كذبوا الآنَ، الآنَ جاءَ القتالُ، ولا يزالُ من أمَّتي أمةٌ يقاتِلونَ على الحقِّ، ويزيغُ اللَّهُ لَهم قُلوبَ أقوامٍ، ويرزقُهم منْهم حتَّى تقومَ السَّاعةُ وحتَّى يأتِيَ وعدُ اللَّهِ، والخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامَةِ، وَهوَ يوحي إليَّ أنِّي مقبوضٌ غيرُ ملبَّثٍ، وأنتم تتَّبعوني أفنادًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ ، وعقرُ دارِ المؤمنينَ الشَّامُ
خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : سلمة بن نفيل السكوني | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي الصفحة أو الرقم : 3563
التخريج : أخرجه النسائي (3561)، وفي ((السنن الكبرى)) (4386) واللفظ لهما، وأحمد (16965)، والبغوي في ((معجم الصحابة)) (1034)، والطبراني (6357) بنحوه.
