الإعتراض:

صموئيل الثاني ٤: ١٢
«وَأَمَرَ دَاوُدُ الْغِلْمَانَ فَقَتَلُوهُمَا، وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَأَرْجُلَهُمَا، وَعَلَّقُوهُمَا عَلَى الْبِرْكَةِ فِي حَبْرُونَ».

ويقول المُعترض كيف يقتل داود شخصين ويقوم بتشويه جثتيهما بقطع أيديهما وأرجلهما؟

أوّلاً: Law of context

في السياق التاريخي والسردي للنص:

١- جريمة إغتيال:

إن فهم النص يبدأ بقراءته ضمن سياقه الكامل، حيث يتّضح أن الحادثة تتعلق بجريمة اغتيال بشعة.
يخبرنا النص أن إيشبوشث بن شاول عنده إعاقة كان نائمًا في بيته ، فتسلل إليه:
“ريكاب” وأخاه “بعنة” إبنا رِمّون البئيروتي من بني بنيامين
وقاما بقتله ظلمًا وغدرًا، رغم كونه رجلاً بريئًا.
يقول النص:
فَعِنْدَ دُخُولِهِمَا الْبَيْتَ كَانَ هُوَ مُضْطَجِعًا عَلَى سَرِيرِهِ… فَضَرَبَاهُ وَقَتَلاَهُ وَقَطَعَا رَأْسَهُ..
(صموئيل الثاني ٤: ٧)

٢- تحريض داود عالإنتقام:

ثم قدّما رأسه لداود ظنًا منهما أنه سيكافئهما:
هُوَذَا رَأْسُ إِيشْبُوشَثَ… وَقَدْ أَعْطَى الرَّبُّ لِسَيِّدِي الْمَلِكِ انْتِقَامًا (صموئيل الثاني ٤: ٨)

٣- الحكم القضائي

ردّ داود يوضح بجلاء الأساس الأخلاقي والقضائي لحكمه، إذ اعتبر الفعل:
جريمة قتل وغدر بشخص بريء
ومحاولة لتحريضه على الانتقام الشخصي
قال داود:
كَمْ بِالْحَرِيِّ إِذَا كَانَ رَجُلاَنِ بَاغِيَانِ يَقْتُلاَنِ رَجُلًا صِدِّيقًا فِي بَيْتِهِ… أَلاَ أَطْلُبُ دَمَهُ مِنْ أَيْدِيكُمَا؟ (صموئيل الثاني ٤: ١١)

كما أنه سبق أن عاقب عماليقي قتل شاول، ما يدل على ثبات مبدئه ضد القتل الانتقامي (صموئيل الثاني ١: ١٤–١٦).

ثانياً: حكم ملكي أو عدالة الشريعة

الحكم الذي أصدره داود لم يكن تعسفيًا، بل إعدام قضائي لضبط المجتمع ومع ذلك فهو منسجمًا مع مبدأ كتابي واضح:
سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ، بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ (سفر التكوين ٨: ٦)

فيما خص قطع الأيدي والأرجل
من المهم التوضيح أنه ليس حكم توراتي بل ملكي قضائي خاص بالدولة، التقطيع لم يتم وهما أحياء، بل بعد موتهما.
والهدف لم يكن تشويه الجثة، بل إجراء ردعي علني لتحذير الشعب من الاغتيالات وردع العنف السياسي والانتقام الشخصي.

ومن المهم إعادة التوضيح أنه لا يوجد أي نص توراتي يأمر بقطع الأيدي والأرجل وما فعلوه هو حكم ملكي وليس حكم الشريعة.

رمزية قطع الأيدي:
التي فعلت الفعل (القتل)

رمزية قطع الأرجل:
لأنها الوسيلة التي حملتهم لإتمام الفعل ثم الذهاب إلى داود

ثالثاً: الموقف الإلهي من القتل

الكتاب المقدس لا يقدّم القتل كأمر محبوب إلهيًا، بل يوضح أن سفك الدماء أمر مرفوض.
قال الرب لداود:
قَدْ سَفَكْتَ دِمَاءً كَثِيرَةً… فَلاَ تَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي (سفر أخبار الأيام الأول ٢٢: ٨)
وهذا يبيّن أن الرب لا يسرّ بالعنف، حتى عندما يُمارس في إطار قضائي.

رابعاً: تفسير اليهود

جاء في تفسير
The Early Prophets, by Everett Fox, Samuel, Part IV; David’s Rule Consolidated, The Death of Ish Boshet 1:

In the course of the ongoing civil war, another assassination is committed. This time the victim is Sha’ul’s son Ish-Boshet (or, in uncensored form, Ish-Baal). The chapter begins with several brief notes: Sha’ul’s son is terrified to hear about Avner’s recent death; we are introduced to two of his chieftains; and we are informed that a grandson scion of Sha’ul is alive, albeit a lame young man. The story proper starts in v.5, where Ish-Boshet is killed, Mafia-style, in his bed.
ترجمته:
في خضم الحرب الأهلية الدائرة، وقعت عملية اغتيال أخرى. هذه المرة، كان الضحية ابن شاؤول، إيشبوشيت (أو إيشبال بعل). يبدأ الفصل بعدة ملاحظات موجزة: ابن شاؤول مرعوب لسماعه نبأ وفاة أفنير مؤخرًا؛ نتعرف على اثنين من زعمائه؛ ونُخبر أن حفيدًا من نسل شاؤول ما زال على قيد الحياة، وإن كان شابًا أعرج. تبدأ القصة الفعلية في الآية 5، حيث يُقتل إيشبوشيت على طريقة المافيا، في فراشه.

المصدر:
https://www.sefaria.org/The_Early_Prophets%2C_by_Everett_Fox%2C_Samuel%2C_Part_IV%3B_David’s_Rule_Consolidated%2C_The_Death_of_Ish_Boshet.2?lang=bi

وجاء في تفسير الرابي Steinsaltz:
David commanded his young men who were present at the scene, and they killed them; furthermore, they severed their hands and their feet as an act of degradation, and they hung them, their bodies as well as their severed hands and feet, at the pool in Hebron, so that all would see the punishment of those wicked men.
وترجمته:
أمر داود رجاله الذين كانوا حاضرين في المكان، فقتلوهم؛ بل وقطعوا أيديهم وأرجلهم إذلالاً، وعلقوهم، جثثهم وأيديهم وأرجلهم المقطوعة، عند بركة حبرون، ليرى الجميع عقاب هؤلاء الأشرار.

المصدر:
https://www.sefaria.org/II_Samuel.4.12?lang=bi&with=Steinsaltz

وجاء في تفسير Malbim:
ויקצצו את ידיהם שעשו המעשה, ואת רגליהם שהלכו לבשר את דוד, ויתלו כדי שלא יזיד עוד איש לשלוח יד במלך, וזה עשה מדין מלך לא מדין התורה:
وترجمته:
وقطعوا أيدي الذين فعلوا ذلك، وأرجل الذين ذهبوا ليخبروا داود بالخبر، وعلقوهم حتى لا يجرؤ أحد على مد يده إلى الملك مرة أخرى، وقد تم ذلك وفقًا لشريعة الملك، وليس وفقًا لشريعة التوراة.

المصدر:
https://www.sefaria.org/II_Samuel.4.12?lang=bi&with=Malbim

خلاصة ما جاء في تفسير اليهود:
تُجمع التفاسير اليهودية، مثل Everett Fox وAdin Steinsaltz وMalbim، على أن الحادثة كانت اغتيالًا غادرًا ارتكبه رجلان شريران بحق إيشبوشث المُعاق وهو نائم في فراشه، ما يبرز بشاعة الجريمة وبراءة الضحية.
ويؤكدون أن حكم داود كان حكمًا ملكيًا ضد هذين القاتلين، وليس تطبيق حرفي للشريعة.
كما يوضح تفسير مالبيم أن:
قطع الأيدي يرمز إلى الأداة التي نفذت القتل
وقطع الأرجل يرمز إلى الوسيلة التي سارت بهم لتنفيذ الجريمة ثم الرجوع بها لتقديم رأس الضحية.
وهذا التقطيع ليس حكمًا توراتيًا مباشرًا، بل إجراء ملكي رمزي، أما تعليقهم فكان تدبيرًا ردعيًا لمنع تكرار الاغتيالات وأعمال الغدر والانتقام.

خامساً: إسلامياً

أنَّ نَاسًا اجْتَوَوْا في المَدِينَةِ، فأمَرَهُمُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَلْحَقُوا برَاعِيهِ – يَعْنِي الإبِلَ – فَيَشْرَبُوا مِن ألْبَانِهَا وأَبْوَالِهَا، فَلَحِقُوا برَاعِيهِ، فَشَرِبُوا مِن ألْبَانِهَا وأَبْوَالِهَا، حتَّى صَلَحَتْ أبْدَانُهُمْ، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وسَاقُوا الإبِلَ، فَبَلَغَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبَعَثَ في طَلَبِهِمْ فَجِيءَ بهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ وأَرْجُلَهُمْ، وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ..
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 5686 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

وأيضاً القرآن المائدة ٣٣ :
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ