الإعتراض
الملوك الثاني ١: ١٤-١٧ أنّ نارًا نزلت من السماء وأكلت رئيسي الخمسينين وجنودهما، وأن أخزيا مات حسب كلام الرب الذي تكلم به إيليا.
ويقول المُعترض الرب يقتل أخزيا وينزل نار على فرقتين من الجنود مع قادتهما وهذه قسوة.
أولاً: الخلفية التاريخية والروحية لشخصية أخزيا
لفهم الحدث، يجب تحديد هوية أخزيا وخلفيته الروحية.
أخزيا هو ابن آخاب وإيزابل، وقد نشأ في بيئة معادية للرب الإله وأنبيائه، إذ ورث عن والديه عبادة الأوثان واضطهاد رجال الله.
يقول الكتاب عن أبيه:
( الملوك الأول ١٦: ٣٠–٣٢) إن آخاب “عمل الشر في عيني الرب أكثر من جميع الذين قبله”، وعبد البعل وأقام له مذبحًا.
كما اضطهدت أمه إيزابل أنبياء الرب:
(الملوك الأول ١٨: ٤) حيث قطعت الأنبياء، واضطر عوبديا لإخفاء مئة نبي.
ولم تكتفِ بذلك، بل نذرت قتل إيليا بعد انتصاره على أنبياء البعل:
(الملوك الأول ١٩: ١–٢)
وكان أخزيا يعلم أيضًا بنبوة إيليا ضد أمه:
(الملوك الأول ٢١: ٢٣) أن الكلاب ستأكل إيزابل، وهي نبوة تحققت لاحقًا:
(الملوك الثاني ٩: ٣٥–٣٧)
إذًا، أخزيا لم يكن جاهلًا بمن هو إيليا، بل كان يعلم أنه رجل الله، ومع ذلك استمر في العداء له، متأثرًا بإرث والديه الروحي الفاسد، ومصمِّمًا على السير في عبادة الأوثان.
ثانياً: Law of context
عند قراءة النص في سياقه، يتّضح أن أخزيا لم يلجأ إلى الله، بل إلى إله وثني:
(الملوك الثاني ١: ٢) حيث أرسل ليسأل بعل زبوب إله عقرون عن شفائه.
وهذا يكشف تمرده الصريح على الرب الإله، رغم معرفته به.
كما يظهر من السياق أن إرسال الفرق العسكرية لم يكن للاستشارة، بل للقبض على إيليا وربما قتله، خاصة أن إيليا كان قد وبّخ الملك مسبقًا بسبب لجوئه إلى بعل زبوب:
(الملوك الثاني ١: ٣–٤)
لذلك، إرسال القادة مع جنودهم كان عملاً عدائيًا موجّهًا ضد إيليا.
وقد أكد الجنود أنفسهم معرفتهم بمكانة إيليا حين نادوه “يا رجل الله”، ومع ذلك تصرفوا بتحدٍ.
وهنا جاءت العدالة كعمل إلهي لحماية النبي وإثبات سلطانه:
(الملوك الثاني ١: ١٠–١٢) حيث نزلت نار من السماء وأكلت الفرقتين الأوليين.
ولكن هنا يجب التمييز بين مواقف الفرق الثلاثة
من خلال السياق، يظهر اختلاف واضح بين الفرق الثلاثة:
الفرقتان الأولى والثانية: اتسمتا بالشر والتحدي والعنف، فجاء عليهما القضاء.
الفرقة الثالثة: أظهرت تواضعًا وخوفًا من الله.
يقول النص:
(الملوك الثاني ١: ١٣) إن رئيس الخمسين الثالث جثا وتضرع إلى إيليا طالبًا الرحمة.
وهذا يكشف مبدأ لاهوتيًا مهمًا:
أن الله يرحم المتواضعين، وقد يبارك الجماعة لأجل شخص واحد صالح.
ولذلك لم تنزل النار على الفرقة الثالثة، بل إن إيليا رافق قائدها إلى الملك، ما يدل على الحماية الإلهية له.
ايضاً من السياق واضح قيادة الرب الإله المباشرة لإيليا في الحدث
النص يوضح أن إيليا لم يتصرف من ذاته، بل بإرشاد إلهي مباشر:
(الملوك الثاني ١: ١٥) حيث قال له ملاك الرب: “انزل معه، لا تخف منه”.
وهذا يؤكد أن كل ما حدث كان تحت سلطان الرب وتدبيره، وليس تصرفًا بشريًا مستقلًا من النبي.
ومن خلال السياق أيضاً يظهر التحذيرات الإلهية لأخزيا
عندما أعلن إيليا النبوءة، قال:
(الملوك الثاني ١: ١٦): “السرير الذي صعدت عليه لا تنزل عنه بل موتًا تموت”.
من اللافت أن النص لا يقول إن الله “سيقتله” مباشرة، بل يعلن نتيجة حتمية لمساره.
وهذا يتوافق مع إعلانه السابق عبر الملاك:
(الملوك الثاني ١: ٣–٤)
أي أن موت أخزيا هو نتيجة اختياره الحر في رفض الله واللجوء إلى بعل زبوب، أي تسليم نفسه لمصدر الشر.
ثالثاً: رحمة الرب الإله
دعوة الله الدائمة للتوبة ورفض أخزيا لها
رغم شر أخزيا، يبقى المبدأ الكتابي واضحًا: الله لا يسر بموت الشرير بل بتوبته.
(زكريا ١: ٣): “ارجعوا إليّ… فأرجع إليكم”
(حزقيال ٣٣: ١١): “لا أُسر بموت الشرير بل بأن يرجع ويحيا”
(١ تيموثاوس ٢: ٤): “يريد أن جميع الناس يخلصون”
وقد سبق لإيليا أن دعا الشعب إلى التوبة قائلاً:
(الملوك الأول ١٨: ٢١): “إن كان الرب هو الله فاتبعوه”
لكن أخزيا أصرّ على شره ولم يتب، رغم التحذيرات المتكررة.
رابعاً: قداسة الله واحترامه لحرية الإنسان
الله لا يصنع الشر ولا يجرّب به، لكنه يحترم حرية الإنسان.
فإذا اختار الإنسان الابتعاد عنه، يحجب الله وجهه عنه، فيحصد الإنسان نتائج اختياره.
يقول الكتاب:
(مزمور ٣٠: ٧): “حجبت وجهك فصرت مرتاعًا”
(مزمور ٢٧: ٨): “لا تحجب وجهك عني”
(مزمور ١١: ٧): “المستقيمون يعاينون وجهه”
(مزمور ٥١: ١٣): “لا تطرحني من قدام وجهك”
كما يوضح سفر حبقوق قداسة الله:
(حبقوق ١: ١٢–١٣) أن عينيه أطهر من أن تنظرا الشر.
وبالتالي، من يسلّم نفسه للشر، ويصرّ على رفض الله، يواجه نتائج هذا القرار، لأن مصدر الشر يقود إلى الهلاك.
خامساً: السببية الإلهية (Divine Causality)
مفهوم فلسفي ولاهوتي يصف كيف يكون الله هو السبب النهائي والفعلي لكل ما يحدث في الكون، دون أن يلغي الحرية الطبيعية أو قوانين الطبيعة. الفكرة الأساسية تقول: كل شيء يحدث يعتمد في النهاية على إرادة الله وعلمه، حتى الأحداث التي تبدو عشوائية أو طبيعية.
وهنا السؤال ما معنى نزلت نار من السماء؟
جاء في كتاب “الله والشر والمصير” ل كوستي بندلي طبعة تعاونية النور الأرثوذكسية صفحة ١٩١- ١٩٢ وهو يتكلم عن حادثة سدوم وعمورة نصّاً:
وأمطر الربّ على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً من عند الرب من السماء….
ويكمل الشرح بعنوان “تأويل الحادثة في الكتاب:
والحال أنّ الأقدمين كانوا ينسبون كل ظاهرة طبيعية إلى الله مباشرة، لكونهم لم يكونوا قد أدركوا بعد دور الأسباب الطبيعية البحتة… من هنا إنه كان من الطبيعي أن ينسبوا هذا الزلزال لعمل الله بالذات…. الكتاب المقدس ليس صنع الله وحده، إنه كلام الله منقولاً في كلام بشري يحمل طابع الزمان والمكان اللذين قيل فيهما.
وبالتالي وبكلتا الحالتان إن كانت نزول النار من السماء عمل معجزي بهدف الدينونة أو إن كان جراء عوامل طبيعية أخرى البركان والصواعق والبروق الطبيعية أو أي أمر آخر نُسب للرب الإله كونه صاحب السيادة وحده انطلاقاً من مبدأ السببية الإلهية ، يبقى الهدف مشروع وهو حماية إيليا من أشرار يريدون قتله.
سادساً: تفسير اليهود
جاء في تفسير Chomat Anakh
אם איש האלהים אני. כונתו גם לבחינה שהוא רחום בדין כמשמעות תיבת האלהים כמש”ל תרד אש וכו’ דרשעים מהפכים מדת רחמים למדת הדין. וכן כתיב ותרד אש אלהים מדת הדין הגמור:
وترجمته:
“إن كنتُ أنا رجل الله، قصده أيضًا من جهة الامتحان، أنه رحيم في الدينونة، كما هو معنى كلمة ‘إلوهيم’ كما ذُكر سابقًا.
«لتنزل نار…» — لأن الأشرار يحوّلون صفة الرحمة إلى صفة الدين(القضاء).
وكذلك كُتب: «فنزلت نار الله» أي صفة الدين (القضاء) الكامل.”
المصدر:
https://www.sefaria.org/II_Kings.1.12?lang=en&with=Chomat%20Anakh
خلاصة ما يقول التفسير اليهودي:
إن العقاب لم يكن لأن الرب قاسٍ، بل لأن شرّهم رفض رحمة الرب فرفع يد الحماية عنهم واتت دينونة.
ما يؤكد انهم كانوا يريدون الشر للنبي إيليا.
وجاء في تفسير Malbim:
ויעל ויבא שר החמשים, עלה לבדו ובא לבדו, רצה לומר לא בא כבא עם צבא ומחנה להורידו בחזקה רק כבא לבדו לפייסו:
وترجمته:
فصعد وجاء رئيس الخمسين، صعد بمفرده وجاء بمفرده.
قصد بذلك ألا يأتي مع جيش أو قوة لإخضاعه بالقوة، بل جاء بمفرده لتصالحه.
المصدر:
https://www.sefaria.org/II_Kings.1.13?lang=en&with=Malbim
ما يؤكده التفسير هنا عندما أتى قائد الخمسين الأخير كونه لم يكن يقصد الشر لإيليا وطلب الرحمة فكان له ذلك.
الخلاصة المنهجية
الحدث لا يقدّم إلهًا ظالمًا يقتل بلا سبب، بل يكشف:
١- إنسانًا شريرًا (أخزيا) رافضًا لله رغم معرفته.
٢- تمردًا واضحًا واعتداءً على نبي الله.
٣- تدخلاً إلهيًا أو حدث طبيعي نُسب للرب (السببية الإلهية ) أدى لحماية النبي وإعلان السيادة الإلهية.
٤- تمييزًا إلهيًا بين المتكبر والمتواضع.
٥- واحترامًا لحرية الإنسان حتى في اختياره للهلاك.
