“أَوْ يُدْفَعُ الْكِتَابُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَيُقَالُ لَهُ: «اقْرَأْ هَذَا». فَيَقُولُ: «لاَ أَعْرِفُ الْكِتَابَةَ».” (إشعيا 29: 12).
ويقول المُعترض هذه نبوءة عن رسول الإسلام محمد لأنّه كان أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب.
الرد:
أوّلاً: Law of context
بقراءة بسيطة للآية السابقة نعلم ان إشعيا لا يتكلم عن نبي قادم بل توبيخاً لكل فئات الشعب.
إشعيا 29
11 وَصَارَتْ لَكُمْ رُؤْيَا الْكُلِّ مِثْلَ كَلاَمِ السِّفْرِ الْمَخْتُومِ الَّذِي يَدْفَعُونَهُ لِعَارِفِ الْكِتَابَةِ قَائِلِينَ: «اقْرَأْ هَذَا». فَيَقُولُ: «لاَ أَسْتَطِيعُ لأَنَّهُ مَخْتُومٌ».
12 أَوْ يُدْفَعُ الْكِتَابُ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَيُقَالُ لَهُ: «اقْرَأْ هَذَا». فَيَقُولُ: «لاَ أَعْرِفُ الْكِتَابَةَ».
13 فَقَالَ السَّيِّدُ: «لأَنَّ هَذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي
ما المقصود بالسفر المختوم:
هو ليس كتاب سينزل بالمستقبل، بقراءة السياق يتّضح السفر المختوم هو ما يقوله أشعيا بقوله بالآية ١١ ” وَصَارَتْ لَكُمْ رُؤْيَا الْكُلِّ”
ولكن هذه الرؤية مختومة لا يفهمها “من يعرف الكتابة” أي الكتبة والكهنة والمعلمين أو من يملكون سلطة التفسير بسبب العصيان والخطايا.
الخطيئة والعصيان تُعطِّل فهمهم الروحي.
النص يتكلم عن فئتان من الناس :
١- من يعرف الكتابة: وهم الكتبة، الكهنة، والمعلمون الدينيون في اورشليم
٢- من لا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ: غير المتعلمين في الشريعة وغير الراغبين بمعرفتها وهم عامة الناس الفلاحون.
وما قاله الرب بالآية ١٣ يغلق الباب أمام أي اجتهاد:
فَقَالَ السَّيِّدُ: «لأَنَّ هَذَا الشَّعْبَ قَدِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِفَمِهِ وَأَكْرَمَنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَأَبْعَدَهُ عَنِّي
إذاً سياق النص واضح لا يتكلم عن نبي قادم، بل عن شعب معاصر لإشعياء حالة جماعية في حالة عمى روحي.
ثانياً: التحليل البلاغي العبري
Irony & Rhetorical Parallelism
وهو أسلوب شائع في الأدب النبوي العبري :
لذلك من الخطأ المنهجي قراءة أشعيا (29: 11-12) بطريقة سطحية، لأن الإصحاح مكتوب بأسلوب بلاغي تهكمي(Irony) مبني على التوازي التضادي (Rhetorical Parallelism)
إشعيا لا يقدّم شخصيتين حقيقيتين، بل يصور مشهدًا بلاغيًا مزدوجًا:
يُعطى السفر لمن “يعرف الكتابة” فلا يقرأه بحجة أنه مختوم.
ويُعطى السفر لمن “لا يعرف الكتابة” فيعجز بحجة عدم امتلاكه سلطة التفسير.
الهدف من هذا التوازي التضادي إدانة شاملة لحالة العجز الروحي التي وصل إليها جميع فئات الشعب:
١- “من يعرف الكتابة” : الكتبة والكهنة والمعلمين الذين لديهم سلطة التفسير.
٢- “من لا يعرف الكتابة”: عامة الناس الذين ليس لديهم سلطة التفسير.
ثالثاً: العهد الجديد
ما يجهله المُدّعي أن ما جاء بأشعيا 29 شرحه عملياً يسوع المسيح، عندما جاء إليه
“من يعرف الكتابة” وهم الكَتَبَةٌ وَالفَرِّيسِيُّونَ من اورشليم منتقدين تلاميذ المسيح بسبب تعديهم تقاليد الشيوخ وعدم غسل ايديهم…
فأجابهم يسوع حرفيا مُقتبساً نص أشعيا 29
متى 15
7 يَا مُرَاؤُونَ! حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلًا:
8 يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هَذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا.
9 وَبَاطِلًا يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ».
إذا المسيح يسوع بقطعية دلالة يوضح معنى ما جاء بأشعيا 29 أنها عمى روحي للكتبة وعلماء الشريعة والشعب وليس نبوءة عن نبي منتظر وكتاب سينزل.
رابعاً: تفسير اليهود
يقول الرابي Ibn Ezra :
And the book is delivered, etc. Neither the wise men nor those that have no intellect will understand this prophecy.
ترجمته:
ويتم تسليم الكتاب، إلخ. ولن يفهم هذه النبوءة لا الحكماء ولا من لا عقل لهم.
المصدر:
https://www.sefaria.org/Isaiah.29.12?lang=bi&with=Ibn%20Ezra
إذا تفسير الرابي Ibn Ezra يوضح ان المقصود هي النبوءة التي لن يفهمها لا الحكماء ولا غير الحكماء.
إذا حتى تفسير اليهود يؤكد انها ليست نبوءة مستقبلية لإرسال نبي وتنزيل كتاب.
وعليه، فإن إسقاط
(إشعياء 29: 12) على محمد لا يقوم على قراءة نصّية، ولا سياقية، ولا تفسيرية، بل على اقتطاع آية من سياقها وإعادة توظيفها خارج بنيتها اللاهوتية الأصلية.
