هل عابرين في وادي البكاء إشارة إلى مكة في مزمور ٨٤: ٦ ؟
الإعتراض:
عابرين في وادي البكاء، يصيرونه ينبوعا. أيضا ببركات يغطون مورة
يذهبون من قوة إلى قوة. يرون قدام الله في صهيون
(المزمور 84: 6-7)
ويقول المُعترض هذه نبوءة عن الحج إلى مكة بيت الله فوادي البكاء هي مكة.
مستشهدين بسورة آل عمران 96 إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ.
الرد:
أوّلاً: Law of context
من المهم فهم طبيعة مزمور 84 قبل محاولة تحويله إلى نبوءة جغرافية. فالمزمور في الأصل هو مزمور حجّ وعبادة يعبّر فيه بنو قورح عن شوقهم للصعود إلى بيت الرب في صهيون. لذلك يستخدم النص لغة شعرية تصف رحلة الحجاج إلى أورشليم وكيف تتحول حتى الأماكن القاحلة في طريقهم إلى مواضع بركة.
فالسياق الكامل للمزمور يوضح عدة حقائق:
١- المزمور كُتب بواسطة بني قورح خدام الهيكل في أورشليم، وبالتالي موضوعه مرتبط بعبادة الهيكل.
لبني قورح. مزمور. (مزمور 84: 1)
1 أخبار 6
31 وَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَقَامَهُمْ دَاوُدُ عَلَى الْغِنَاءِ فِي بَيْتِ الرَّبِّ بَعْدَمَا اسْتَقَرَّ التَّابُوتُ.
32 وَكَانُوا يَخْدِمُونَ أَمَامَ مَسْكَنِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ بِالْغِنَاءِ إِلَى أَنْ بَنَى سُلَيْمَانُ بَيْتَ الرَّبِّ فِي أُورُشَلِيمَ، فَقَامُوا عَلَى خِدْمَتِهِمْ حَسَبَ تَرْتِيبِهِمْ.
33 وَهَؤُلاَءِ هُمُ الْقَائِمُونَ مَعَ بَنِيهِمْ
37 بْنِ تَحَثَ بْنِ أَسِّيرَ بْنِ أَبِيَاسَافَ بْنِ قُورَحَ
٢- النص يذكر صراحة أن الغاية من الرحلة هي الظهور أمام الله في صهيون.
يذهبون من قوة إلى قوة. يرون قدام الله في صهيون (مزمور 84: 7)، أي أورشليم.
٣- المزمور يتحدث عن مذابح الرب والهيكل
مذابحك يارب الجنود (مزمور 84: 3).
وهي عناصر مرتبطة بالعبادة اليهودية في أورشليم.
٤- تعبير وادي البكاء (Baca) بحسب التحليل اللغوي وتفسير اليهود يشير إلى وادي قرب أورشليم مرتبط بأشجار البلسان أو تعبير شعري عن وادٍ صعب يتحول إلى بركة أثناء رحلة الحج.
وهذا ما سنثبته تباعاً.
إذا السياق يُظهر ان المقصود هو الهيكل اليهودي في اورشليم وليس الحجاز مكة.
ثانياً: لغوياً
الكلمة العبرية هي בָּכָא حسب قاموس سترونج برقم H1056
تلفظ “باخا” Bakha وذُكرت مرة واحدة بهذا الرقم حسب القاموس في الكتاب المقدس وهي الآية التي نناقشها
Psa 84:6 – Who passing through the valley of Baca (בָּכָא) H1056 make it a well; the rain also filleth the pools.
اما سورة آل عمران ٩٦ هي بكّة
Surely the first House ˹of worship˺ established for humanity is the one at Bakkah—a blessed sanctuary and a guide for ˹all˺ people.
فرق شاسع بين الكلمة المذكور بالمزمور ٨٤ Baca وبين Bakkah المذكورة بالقرآن
إذا ادعاء المدعى ان Baca هي Bakkah هو نوع من المغالطات تُسمى: مغالطة الإشتقاق الصوتي
(Etymological Fallacy )
بالعودة الى القاموس العبري: تأتي الكلمة العبرية בָּכָא H1056 من جذور كلمتين:
١- الكلمة العبرية בָּכָה H1058 والتي تعني “البكاء” لذلك ترجمت في بعض الترجمات إلى وادي البكاء.
٢- والكلمة العبرية בָּכָא برقم H1057 وهي نفس الكلمة كتابةً ولفظاً وتعني أشجار البلسم (balsam trees)
لذلك الترجمتان اليسوعية والكاثوليكية ترجمت الآية بوادي البلسان اي وادي شجر البلسان.
إذا مروا بوادي البلسان جعلوا منه ينابيع وباكورة الأمطار تغمرهم بالبركات.(مزمور 84: 7)
وكلمة בָּכָא برقم H1057 مذكورة في ٤ مواضع في الكتاب المقدس .
(2 صموئيل 5: 23-24) فَقَالَ: لاَ تَصْعَدْ، بَلْ دُرْ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَهَلُمَّ عَلَيْهِمْ مُقَابِلَ أَشْجَارِ الْبُكَا(בָּכָא)، وَعِنْدَمَا تَسْمَعُ صَوْتَ خَطَوَاتٍ فِي رُؤُوسِ أَشْجَارِ الْبُكَا(בָּכָא)، حِينَئِذٍ احْتَرِصْ، لأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ يَخْرُجُ الرَّبُّ أَمَامَكَ لِضَرْبِ مَحَلَّةِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ.
(1 أخبار 14: 14-15).”فَسَأَلَ أَيْضًا دَاوُدُ مِنَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ اللهُ: «لاَ تَصْعَدْ وَرَاءَهُمْ، تَحَوَّلْ عَنْهُمْ وَهَلُمَّ عَلَيْهِمْ مُقَابِلَ أَشْجَارِ الْبُكَا(בָּכָא). وَعِنْدَمَا تَسْمَعُ صَوْتَ خَطَوَاتٍ فِي رُؤُوسِ أَشْجَارِ الْبُكَا(בָּכָא) فَاخْرُجْ حِينَئِذٍ لِلْحَرْبِ، لأَنَّ اللهَ يَخْرُجُ أَمَامَكَ لِضَرْبِ مَحَلَّةِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ.
فإن كانت الكلمة العبرية בָּכָא Baca اسم علم لمكة فهذا يعني انها تُداس بالأقدام وهذا ما جاء في سفر أخبار الأيام الأول وصموئيل الثاني [صَوْتَ خَطَوَاتٍ فِي رُؤُوسِ (בָּכָא)]، فهل يقبل المسلمين ذلك؟
- بالعودة للتحليل اللغوي يتبين ان الأقرب للمعنى هو ان the valley of Baca هو اسم علم لوادي مشهور بشجر البلسان.
مع العلم شجر البلسم (أو البلسان/البُكا) يُوصف بالشجر “الذي يبكي” لأنه يفرز مادة صمغية أو راتنجية تشبه الدموع عند جرح لحائه، وهو ما يُعرف بـ “شجر البُكا”. هذه المادة العطرية يتم جمعها في منتصف الصيف كـ “دموع” بيضاء أو صفراء.
لذلك Bacca أو وادي الدموع أو وادي البلسان كلها ترجمات صحيحة فوادي الدموع يشير إلى دموع شجر البلسان التي تفرزها.
ثالثاً: شهادة الترجمة السبعينية
أقدم ترجمة للعهد القديم هي الترجمة اليونانية المعروفة باسم الترجمة السبعينية (Septuagint)، وقد تُرجمت في القرن الثالث قبل الميلاد، أي قبل الإسلام بحوالي 900 سنة.
Psalm 83:7
“Passing through the valley of weeping they will make it a place of springs.”
وترجمته:
“عابرين في وادي البكاء يجعلونه موضع ينابيع.”
الترجمة السبعينية قام بها يهود قبل المسيحية وقبل الإسلام بقرون.
لم يفهم أيٌّ منهم أن الكلمة تشير إلى مدينة مكة أو إلى مكان حج خارج إسرائيل.
رابعاً: تفسير اليهود
يقول الرابي Steinsaltz:
Alternatively, the phrase emek habakha, translated here as “valley of tears,” may also refer to a valley near Jerusalem where trees called bakha grew.
ترجمته:
ربما تشير عبارة “إميك هاباخا”، المترجمة هنا إلى “وادي الدموع”، إلى وادٍ قرب القدس تنمو فيه أشجار تُسمى “باخا”.
المصدر:
https://www.sefaria.org/Psalms.84.7?lang=bi&with=Steinsaltz
إذا يؤكد الرابي Steinsaltz التحليل اللغوي الذي قمنا به وهو أن وادي الدموع هو وادي قرب القدس تنمو فيه أشجار تسمى “باخا” وهي شجر البلسان التي تبكي.
خامساً: المناخ
نقطة مهمة جداً المزمور يصف المناخ عندما قال
“أيضًا ببركات يغطون مورة”
(مزمور 84: 6)
باللغة الإنجليزية:
the rain also covers it with pools
أي المطر يملأ الوادي بالبرك والينابيع.
هذا وصف طبيعي معروف في أودية فلسطين التي تمتلئ بالماء في موسم المطر.
أما مكة مناخها صحراوي جاف، الأمطار فيها نادرة ولا تتحول اوديتها ينابيع وبرك للحجاج.
سادساً : جغرافيا النص طريق الحج اليهودي
مزمور 84 يتكلم عن رحلة الحجاج اليهود إلى أورشليم في الأعياد (مثل الفصح والمظال)، حيث كان اليهود يصعدون إلى الهيكل ثلاث مرات في السنة.
بدليل:
ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي السَّنَةِ يَظْهَرُ جَمِيعُ ذُكُورِكَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ”
(تثنية 16:16)
لذلك كانت هناك طرق حج معروفة تقود إلى أورشليم من مختلف مناطق إسرائيل.
لذلك جاء بالمزمور:
طُوبَى لِأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ، طُرُقُ بَيْتِكَ فِي قُلُوبِهِمْ. (مزمور 84: 5)
ثم يصف الطريق:
عَابِرِينَ فِي وَادِي الْبُكَاءِ يَجْعَلُونَهُ يَنْبُوعًا.(مزمور 84: 6)
أي أن المزمور يصف واديًا يمر به الحجاج في طريقهم إلى صهيون، محطة أو مسار معروف عندهم.
وتأتي الآية التالية تحسم الموضوع:
“يَرَوْنَ قُدَّامَ اللهِ فِي صِهْيَوْنَ.”
(مزمور 84: 7)
إشارة أخرى لتأكيد الموقع الجغرافي
- دلالة كلمة “وادي” في النص
النص العبري يستخدم كلمة עֵמֶק (ʿemeq) التي تعني “وادي” أو منخفض بين الجبال، وهي كلمة تُستخدم كثيرًا في العهد القديم للإشارة إلى أودية داخل أرض إسرائيل مثل الْبُطْمِ (1 صموئيل 17: 2).
لذلك فالتعبير “وادي البكاء” يشير إلى موضع جغرافي صغير في طريق الحجاج إلى أورشليم، وليس إلى مدينة كبيرة أو مركز ديني خارج أرض إسرائيل مثل مكة.
كما أن مكة تبعد عن أورشليم حوالي 1200 كيلومتر جنوبًا خارج أرض إسرائيل بالكامل، وبالتالي من المستحيل أن يكون وادي البكا في المزمور طريقًا للحج إليها، لأن النص يتحدث عن رحلة تنتهي في صهيون نفسها.
خلاصة:
بمراجعة المزمور في سياقه التاريخي واللغوي والأدبي والجغرافي، يتضح أن بني قورح كتبوا المزمور تعبيرًا عن شوقهم للصعود إلى الهيكل في صهيون. وادي הבָּכָא يشير إلى وادٍ قرب أورشليم مرتبط بأشجار البلسان أو وصف شعري لوادي صعب يتحول إلى بركة، والمطر يغمره بالبركات، وهو جزء من طريق الحج اليهودي المعروف. جميع الأدلة القديمة، بما فيها الترجمة السبعينية وتفسيرات اليهود، تؤكد هذا المعنى. الربط بين Baca وBakkah في مكة قائم على تشابه صوتي فقط، ولا يمت إلى النص بصلة.
