الإعتراض :

“فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَحْلِقُ السَّيِّدُ بِمُوسَى مُسْتَأْجَرَةٍ فِي عَبْرِ النَّهْرِ، بِمَلِكِ أَشُّورَ، الرَّأْسَ وَشَعْرَ الرِّجْلَيْنِ، وَتَنْزِعُ اللِّحْيَةَ أَيْضًا.” (إش 7: 20).

ويقول المُعترض إله الكتاب المقدس يحلق شعر الرأس والرجلين واللحية.

الرد:

اولا: كما سبق وقلنا يجب التمييز بالكتاب المقدس بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي فكُتّاب الوحي يكتبون الوحي دون إلغاء الأسلوب الكتابي الخاص في زمنهم

بدليل كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية فقرة رقم ١١٥ في تقليد قديم أنّه من الممكن تمييز معنيين للكتاب المقدس: المعنى الحرفي ، والمعنى الروحي ، على أن يُقسم هذا الأخير إلى معنًى مجازي ، ومعنًى أدبي ، ومعنى تفسيري.

إذا الرب الإله لا يحلق والمعنى هنا ليس حرفي بل مجازي.

ثانيا: Law of context

قراءة سياق النص يُوضح المعنى :
يتوضح لنا انها نبوءة على لسان أشعيا بأن ملك أشور هو الموسى المستأجرة أي أداة ستأدب يهوذا المملكة الجنوبية التي تضم سبطي يهوذا وبنيامين وعاصمتها اورشليم.

بإختصار اشعيا بأسلوبه النبوي يحذر آحاز (ملك يهوذا) الذي طلب مساعدة أشور ضد تحالف ملك إسرائيل المملكة الشمالية Pekah فقح بن رمليا وملك أرام Rezin

إذا آحاز لم يثق بالرب الذي قال له على لسان أشعيا لا تخف ولجأ إلى ملك أشور ..

أشعيا ٧ ٤:
«وَقُلْ لَهُ: احْتَرِزْ وَاهْدَأْ. لاَ تَخَفْ وَلاَ يَضْعُفْ قَلْبُكَ مِنْ أَجْلِ ذَنَبَيِ الشُّعْلَتَيْنِ الْمُدَخِّنَتَيْنِ هَاتَيْنِ، مِنْ حُمُوِّ غَضَبِ رَصِين وَأَرَامَ وَابْنِ رَمَلْيَا».

إذا هي نبوءة تحذيرية ولا تتكلم لا عن حلاق ولا موسى حقيقية .

ثالثا: رمزية النبوءة
الموسى المستأجرة : ملك أشور
حلق الرأس والرجلين واللحية: إذلال، تجريد، خراب اقتصادي واجتماعي
وحتى موضوع الحلق إلى اليوم يعني الذل والمذلة لما بالعربي نقول بدي “إحلقلوا عالناشف ” هل هذا يعني اني حلاق واحلق الشعر ؟ بل المقصود اني سأذله.

ثالثاً: تحقيق النبوءة

تحققت على مرحلتين

في زمن آحاز أصبح يهوذا تابع لأشور وذلك عندما استنجد به واعطاه كل ذهبه هذا اول ذل سياسي واقتصادي
الدليل:
“وَأَرْسَلَ آحَازُ رُسُلًا إِلَى تَغْلَثَ فَلاَسِرَ مَلِكِ أَشُّورَ قَائِلًا: «أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُكَ. اصْعَدْ وَخَلِّصْنِي مِنْ يَدِ مَلِكِ أَرَامَ وَمِنْ يَدِ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ الْقَائِمَيْنِ عَلَيَّ». فَأَخَذَ آحَازُ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ الْمَوْجُودَةَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ وَفِي خَزَائِنِ بَيْتِ الْمَلِكِ وَأَرْسَلَهَا إِلَى مَلِكِ أَشُّورَ هَدِيَّةً.” (2 مل 16: 7-8).

وفعلا تدخل ملك اشور وضرب أرام (دمشق)
الدليل:
“فَسَمِعَ لَهُ مَلِكُ أَشُّورَ، وَصَعِدَ مَلِكُ أَشُّورَ إِلَى دِمَشْقَ وَأَخَذَهَا وَسَبَاهَا إِلَى قِيرَ، وَقَتَلَ رَصِينَ.” (2 مل 16: 9).

وانزل آحاز لملك اشور حتى في عبادته «فأخذ آحاز فِي الشَّرِّ… صوَرَ الآلهة ووضعها في الهيكل… وعمل مذبحًا على مثال مذبح ملك أشور… وأزال مذبح الرب الموجود أمام الهيكل ووضع مذبح ملك أشور مكانه… وجعل النار على المذبح الجديد
( سفر الملوك الثاني ١٦ : ١٠ إلى ١٨ )

والمرحلة الثانية:
على عهد الملك حزقيا اذل اشور يهوذا عسكريا أيضا واقتصاديا
الدليل:
“وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ لِلْمَلِكِ حَزَقِيَّا، صَعِدَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى جَمِيعِ مُدُنِ يَهُوذَا الْحَصِينَةِ وَأَخَذَهَا.” (2 مل 18: 13).
“وَأَرْسَلَ حَزَقِيَّا مَلِكُ يَهُوذَا إِلَى مَلِكِ أَشُّورَ إِلَى لَخِيشَ يَقُولُ: «قَدْ أَخْطَأْتُ. ارْجِعْ عَنِّي، وَمَهْمَا جَعَلْتَ عَلَيَّ حَمَلْتُهُ». فَوَضَعَ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى حَزَقِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا ثَلاَثَ مِئَةِ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَثَلاَثِينَ وَزْنَةً مِنَ الذَّهَبِ.” (2 مل 18: 14).

وهكذا بتكون تحققت النبوءة ملك اشور الموسى المستأجرة .

وأشعيا نفسه أقر بتحقيقها في أشعيا ٣٦ ١ “وَكَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ عَشَرَةَ لِلْمَلِكِ حَزَقِيَّا أَنَّ سَنْحَارِيبَ مَلِكَ أَشُّورَ صَعِدَ عَلَى كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا الْحَصِينَةِ وَأَخَذَهَا.”

رابعا: الزوادة الروحية
ومن اشعيا نفسه انه لا خلاص بالاتكال على مكوك الأمم والبشر بل الاتكال على الرب الإله

“وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَنْزِلُونَ إِلَى مِصْرَ لِلْمَعُونَةِ، وَيَسْتَنِدُونَ عَلَى الْخَيْلِ وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَى الْمَرْكَبَاتِ لأَنَّهَا كَثِيرَةٌ، وَعَلَى الْفُرْسَانِ لأَنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ جِدًّا، وَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ وَلاَ يَطْلُبُونَ الرَّبَّ.” (إشعيا 31: 1).

خامسا: اسلاميا

أمّا الحلاّق الذي كان يوزع شعره لتتبرك به الناس فهو في الحديث الصحيح :
لَمَّا رَمَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ، وَحَلَقَ؛ نَاوَلَ الحَالِقَ شِقَّهُ الأيْمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ فأعْطَاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأيْسَرَ، فَقالَ: احْلِقْ، فَحَلَقَهُ، فأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقالَ: اقْسِمْهُ بيْنَ النَّاسِ.
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم: 1305 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه البخاري (171) مختصراً بنحوه، ومسلم (1305) واللفظ له

تفسير الحديث من الدرر السنية:
كان أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَتسارَعونَ إلى أخْذِ آثارِه، يَتبرَّكون بها، وفي هذا الحَديثِ مَشهَدٌ مِن تلك المَشاهِدِ..
وفي الحديثِ: التَّبرُّكُ بشَعَرِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، واقتِناؤُه.

المشكلة لا تقف هنا بل فيما كان يوجد في شعره ..

كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَدْخُلُ علَى أُمِّ حَرامٍ بنْتِ مِلْحانَ، وكانَتْ تَحْتَ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عليها يَوْمًا فأطْعَمَتْهُ، وجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ

الراوي : أنس بن مالك | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 7001 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه البخاري (7001، 7002)، ومسلم (1912)