الإعتراض:

لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً، وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ. (مزمور 109: 8).

ويقول المُعترض هذا المزمور نبوءة عن يهوذا الاسخريوطي ودليل انه هو صلب ومات مكان المسيح ، وهذا الذي جاء بالقرآن وما قتلوه وما صلبوه لكن شبه لهم .

الرد:

أولاً: Law of context

من الواضح أن المزمور يتناول شخصيتين شخص بار (يسوع) وشخص خائن (يهوذا) ولا يتحدث إطلاقاً عن صلب يهوذا بدل المسيح، بل عن سقوطه وخسارته منصبه الرسولي فقط.

هل الصلب وظيفة؟
وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ. (مزمور 109: 8).
إذا هو يتكلم عن خسارة يهوذا وظيفته الرسولية ليأخذها ماتياس .

ثانياً: Based criteria evaluation

الآن سنُطبق النبوؤات التي تنبأت عن المسيح والتي تنبأت عن خيانة يهوذا.

عن المسيح:

١- لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ عَلَيَّ فَمُ الشِّرِّيرِ وَفَمُ الْغِشِّ. تَكَلَّمُوا مَعِي بِلِسَانِ كِذْبٍ، بِكَلَامِ بُغْضٍ أَحَاطُوا بِي، وَقَاتَلُونِي بِلاَ سَبَبٍ.
(مزمور 109: 2-3)

تحققت بالمسيح عندما أتوا بشهادات زور ليُحكم ظلماً:

وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةً عَلَى يَسُوعَ لِيَقْتُلُوهُ…لأَنَّ كَثِيرِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا…
(مرقس 14: 55-59)
لكِنْ لِكَيْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ فِي نَامُوسِهِمْ: إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلاَ سَبَبٍ. (يوحنا 15: 25).

٢- وَضَعُوا عَلَيَّ شَرًّا بَدَلَ خَيْرٍ، وَبُغْضًا بَدَلَ حُبِّي.
(مزمور 109: 5)

تحقّقت في المسيح لأنه شفى الجميع وبادلوه الخير بالشر وطلبوا صلبه ، وايضاً اختار يهوذا تلميذا له واعطاه سلطان وهو بادل هذا الخير شرّاً بتسلميه بقبلة.

فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْخُدَّامُ صَرَخُوا قَائِلِينَ: «اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!(يوحنا 19: 6)
فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟
(لوقا 22: 48).

عن يهوذا:

١- فَأَقِمْ أَنْتَ عَلَيْهِ شِرِّيرًا، وَلْيَقِفْ شَيْطَانٌ عَنْ يَمِينِهِ. (مزمور 109: 6)

تحققت في يهوذا عندما دخل شيطان فيه:

فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الَّذِي يُدْعَى الإِسْخَرْيُوطِيَّ(لوقا 22: 3).

٢- إِذَا حُوكِمَ فَلْيَخْرُجْ مُذْنِبًا، وَصَلاَتُهُ فَلْتَكُنْ خَطِيَّةً.
(مزمور 109: 7)

“يخرج مذنباً” تحقّقت في يهوذا

المسيح أعلن ذنبه:
إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الإِنْسَانِ لَوْ لَمْ يُولَدْ.(متى 26: 24)

وهو أقرّ بذنبه:
قَائِلًا: قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا.(متى 27: 4).

“صَلاَتُهُ فَلْتَكُنْ خَطِيَّةً” تحقّقت في يهوذا لأنه كان شرير يسرق مال الفقراء
بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ. (يوحنا 12: 6).
والمبدأ الكتابي معروف:
ذَبِيحَةُ الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الْمُسْتَقِيمِينَ مَرْضَاتُهُ.
(أمثال 15: 8)

حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ، وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ. (يوحنا 17: 12).

٣- لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً، وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ. (مزمور 109: 8)

“لتكن أيامه قليلة” تحققت عندما انتحر يهوذا:
ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. (متى 27: 5).

ووظيفته ليأخذها آخر وهذا ما اقتبسه حرفيا بطرس الرسول عن يهوذا الاسخريوطي نفسه قبل استبداله ب Matthias

أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ الَّذِي سَبَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ، عَنْ يَهُوذَا الَّذِي صَارَ دَلِيلًا لِلَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ (أعمال 1: 16)

لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلَا يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ. وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آخَرُ. (أعمال 1: 20)

ثُمَّ أَلْقَوْا قُرْعَتَهُمْ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى مَتِّيَاسَ، فَحُسِبَ مَعَ الأَحَدَ عَشَرَ رَسُولًا. (أعمال 1: 26)

يُظهر التقييم أن مزمور 109 يتحدث عن شخصيتين: آيات (2–5) تحققت في آلام يسوع المسيح عندما اتُّهم زورًا وبُغض بلا سبب.
أما آيات (6–8) فتحققت في خيانة يهوذا الإسخريوطي بدخول الشيطان فيه، وخروجه مذنبًا، وموته.
كما تحققت النبوة أيضًا في استبدال خدمته الرسولية بالرسول Matthias

ثالثاً: إسلامياً

لا يوجد أي حديث صحيح او آية قرآنية تقول ان يهوذا هو من صلب مكان المسيح، لا بل حتى بالتفاسير الإسلامية لا يوجد إجماع على من هو الذي أُلقي شبه المسيح عليه .

  • جاء بالقرآن
    وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (النساء 157)

من الذي ألقي شبه المسيح عليه وهنا العجائب:

١- الطبري : فقال بعضهم: لما أحاطت اليهود به وبأصحابه، أحاطوا بهم وهم لا يثبتون معرفة عيسى بعينه، وذلك أنهم جميعًا حُوِّلوا في صورة عيسى

٢- ابن كثير:قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .. عن ابن عباس: فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا (أي يوحنا الحبيب)
فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى وَرُفِعَ عِيسَى

٣- البغوي: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَ وَجْهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى وَجْهِ صَطَيَافُوسَ

٤- الكشاف للزمخشري:
فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا فألقى عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل: كان رجلا ينافق عيسى، فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى.

٥- تفسير البيضاوي: وقِيلَ: دَخَلَ طَيْطانُوسُ اليَهُودِيُّ بَيْتًا كانَ هو فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، وألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَلَمّا خَرَجَ ظُنَّ أنَّهُ عِيسى فَأُخِذَ وصُلِبَ. وأمْثالُ ذَلِكَ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي لا تُسْتَبْعَدُ في زَمانِ النُّبُوَّةِ

٦- تفسير ابن عثيمين: قيل: إن الذي شُبِّه هو نفسه الذي دلَّ اليهود على عيسى (يهوذا الاسخريوطي)

إذاً كيف نأخذ برواية متأخرة يتيمة لا إجماع على تفسيرها وشخصياتها، كما لا دليل تاريخي عليها ولا منطقي.

  • أما من التفاسير المُعتبرة التي تدل ان المسيح فعلاً صلب ولا احد سواه نذكر تفسير القرطبي لسورة الأحقاف 35

فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (سورة الأحقاف 35)

تفسير القرطبي: عن موت أولو العزم:
فمنهم من نشر بالمناشير ، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه ، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات ، ومنهم من حرق بالنار .
وقال الحسن : أولو العزم أربعة : إبراهيم ، وموسى ، وداود ، وعيسى

ممكن نعرف من بين أولو العزم من غير المسيح صُلب على الخشب حتى مات ؟؟

  • وجاء بالحديث الصحيح أخرجه الصحيحين

كَأنِّي أنظُرُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَحكي نَبيًّا مِنَ الأنبياءِ ضَرَبَه قَومُه، وهو يَمسَحُ الدَّمَ عن وجهِه، ويقولُ: رَبِّ اغفِرْ لقَومي فإنَّهم لا يَعلَمونَ. وفي روايةٍ: بهذا الإسنادِ، غيرَ أنَّه قال: فهو يَنضِحُ الدَّمَ عن جَبينِه.
صحيح مسلم 1792
صحيح البخاري 3477

وهذا ما قاله المسيح على الصليب وهو ينزف الدم
فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ
(لوقا 23: 34).

وكان ينضح الدم عن جبينه ورأسه بسبب إكليل الشوك :
وَضَفَرُوا إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ (متى 27: 29).

خلاصة: يتّضح من مراجعة سياق المزمور وتحقيق النبوات أن النصوص تشير بوضوح إلى دور يهوذا كخائن خسر وظيفته كرسول لصالح ماتياس. لا دليل تاريخي أو نصي على أن يهوذا صُلب مكان المسيح في الكتاب المقدس ، كما لا إجماع في التفاسير الإسلامية المعتمدة على يهوذا. بالتالي، الإدعاء بأن يهوذا حل محل المسيح في الصلب يفتقر إلى أي أساس منطقي أو نصي.