الإعتراض:
كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: إِذَا حَبِلَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدَتْ ذَكَرًا، تَكُونُ نَجِسَةً سَبْعَةَ أَيَّامٍ. كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِ عِلَّتِهَا تَكُونُ نَجِسَةً. (لاويين 12: 2)…
ثُمَّ تُقِيمُ ثَلاَثَةً وَثَلاَثِينَ يَوْمًا فِي دَمِ تَطْهِيرِهَا. كُلَّ شَيْءٍ مُقَدَّسٍ لَا تَمَسَّ، وَإِلَى الْمَقْدِسِ لَا تَجِئْ حَتَّى تَكْمُلَ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا. (لاويين 12: 4).
وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، تَكُونُ نَجِسَةً أُسْبُوعَيْنِ كَمَا فِي طَمْثِهَا. ثُمَّ تُقِيمُ سِتَّةً وَسِتِّينَ يَوْمًا فِي دَمِ تَطْهِيرِهَا. (لاويين 12: 5).
ويقول المُعترض هذه إهانة للمرأة باعتبارها نجسة، فإذا ولدت ذكر لمدة ٧ أيام وتقيم في دم تطهيرها ٣٣ يوم، بينما واذا ولدت أنثى فلأسبوعين وتقيم بدم تطهيرها ٦٦ يوم.
فهذا تمييز بين الذكر والأنثى واحتقار للمرأة حتى للمولودة الأنثى أقل قيمة من الذكر.
الرد:
أوّلاً: عدم ارتباط مدة النجاسة بالمكانة أو القيمة في الشريعة الموسوية
زيادة مدة التنجيس لا تدل على المكانة الاجتماعية
نسأل المُعترض سؤالًا بسيطًا:
هل زيادة مدة النجاسة في الكتاب المقدس تدل فعلًا على قيمة الكائن أو مكانته، كما حاول أن يوحي في اعتراضه؟
إذا أخذنا منطقه نفسه، فعليه أن يفسّر لماذا من يمس ميتة إنسان يكون نجسًا سبعة أيام، بينما من يمس ميتة بعض الزواحف يكون نجسًا إلى المساء فقط.
الدليل:
مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ مَا، يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ.
يَتَطَهَّرُ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ يَكُونُ طَاهِرًا.(العدد 19: 11-12)
بينما نقرأ عن الزواحف:
كُلُّ مَنْ مَسَّهَا بَعْدَ مَوْتِهَا يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. (اللاويين 11: 29-30-31)
إذن، رغم أن الإنسان هو أعلى مكانة من الزواحف، إلا أن مدة النجاسة الناتجة عن لمس ميتته أطول بكثير من مدة النجاسة الناتجة عن لمس ميتة الزواحف. وهذا يثبت بوضوح أن مدة النجاسة في الشريعة لا علاقة لها بالمكانة أو القيمة.
فالكتاب المقدس يصرّح أصلًا بسمو مكانة الإنسان، كما جاء في سفر (التكوين 1: 26)
«نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا… فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى… جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».
وبالتالي يسقط الإعتراض لأن اختلاف مدة النجاسة تشريع طقسي، وليس مقياسًا للقيمة أو المكانة.
ثانياً: مفهوم النجاسة
في الكتاب المقدس كلمة النجاسة تُستخدم بعدة معانٍ مختلفة، ويمكن تلخيصها في ثلاث فئات رئيسية:
١- نجاسة شعائرية أو دينية (Cultic Impurity)
وهي تنتج عن الإشتراك في عبادات دينية محرمة كعبادة الأصنام والآلهة الغريبة والوثنية
وَبِأَصْنَامِهِمْ نَجَّسُوهَا.
(حزقيال 36: 18).
٢-نجاسة أخلاقية
(Moral Impurity)
وهي تنتج عن الاشتراك بالخطيئة والفساد الأخلاقي
بكُلِّ هذِهِ لا تتَنَجَّسوا، لأنَّهُ بكُلِّ هذِهِ قد تنَجَّسَ الشُّعوبُ الّذينَ أنا طارِدُهُمْ مِنْ أمامِكُمْ
(اللاويين 18: 24).
٣- نجاسة طقسية
(Ritual Impurity)
حالة طقسية مؤقتة تتعلق بالجسد أو بأحداث طبيعية أو أمراض ولا تعني إهانة أو إحتقار للشخص
وهذا الذي نتكلم عنه في سفر اللاويين 12 .
ونعطي أمثلة أخرى
اللاويين 15: 16 إحتلام رجل يبقي نجس حتى المساء
العدد 19: 11 من يمس ميتاً يجعله نجس سبعة أيام
اللاويين 15: 19 ايضاً في طمثها تكون سبعة أيام ومن يمسها نجس إلى المساء.
هل الرجل المحتلم أقل قيمة؟
وهل الموت شيء محتقر؟
وهل الحيض شر؟
طبعاً لا، النجاسة هنا حالة طقسية مؤقتة مرتبطة بالدم أو الإفرازات الجسدية وليست حكماً على قيمة الإنسان.
ثالثاً: تفسير اليهود
يبقى ان نعرف لماذا الشريعة أعطت المرأة فترة راحة إجبارية طويلة:
عند ولادة الذكر: 40 يوماً تقريباً
عند ولادة الأنثى: 80 يوماً
ومن تفسير يهودي شاركت في كتابته أكثر من مئة باحثة يهودية (حاخامات، مؤرخات، عالمات كتاب مقدس، وفيلسوفات).
لكن المحررتين الرئيسيتين للكتاب Tamara Cohn Eskenazi و Andrea L. Weiss
اسم الكتاب
The Torah; A Women’s Commentary
وجاء فيه:
One proposed explanation is that the baby girl is a potential menstruant and mother, and so a future source of impurity.
Other less likely proposals attribute the longer time following the birth of a girl to the ancients’ notion that male embryos were completely formed in forty-one days and females in eighty-two
Some have suggested that the prolonged impurity of the baby girl’s mother reflects the social inferiority of females (a judgment not stated in the biblical text). Others counter that the greater potential for defilement does not indicate social status; after all, the handling of a human corpse defiles to a far greater degree than touching a dead lizard (compare 11:29–31 and Numbers 19), yet the status of the human is higher than that of a reptile.
وترجمته:
أحد التفسيرات المقترحة هو أن الطفلة كونها ستصبح في سن الحيض والأمومة، وبالتالي مصدراً محتملاً للنجاسة في المستقبل.
تُرجع مقترحات أخرى طول الفترة الزمنية التي تلي ولادة الفتاة إلى فكرة القدماء بأن الأجنة الذكور تتشكل بالكامل في 41 يومًا والإناث في 82 يومًا.
يرى البعض أن استمرار نجاسة والدة الطفلة يعكس الدونية الاجتماعية للإناث (وهو حكم لم يرد في النص التوراتي). بينما يعارض آخرون ذلك، مؤكدين أن احتمالية التنجيس الأكبر لا تدل على المكانة الاجتماعية؛ ففي نهاية المطاف، يُعدّ التعامل مع جثة بشرية نجاسة أكبر بكثير من لمس سحلية ميتة (قارن سفر اللاويين ١١: ٢٩-٣١ وسفر العدد ١٩)، ومع ذلك فإن مكانة الإنسان أعلى من مكانة الزواحف.
المصدر:
https://www.sefaria.org/Leviticus.12.5?lang=bi&with=The%20Torah;%20A%20Women%27s%20Commentary
إذا خلاصة ما جاء في التفسير اليهودي لزيادة مدة التنجيس عند ولادة الأنثى كالتالي:
سبب رمزي طقسي:
بعض التفسيرات ترى أن الطفلة ستكبر لتدخل سن الحيض والأمومة، وهي حالة مرتبطة بالنجاسة الطقسية لاحقًا. لذلك تُضاعف مدة نجاسة الأم بعد ولادة الأنثى كإجراء طقسي مرتبط بالدورة الطبيعية للحياة وليس بقيمة الإنسان.
سبب طبي قديم:
لدى القدماء، كان يُعتقد أن الجنين الذكر يتشكل بالكامل خلال 41 يومًا، والأنثى خلال 82 يومًا. فالفترة الأطول بعد ولادة الأنثى تعكس هذه الفكرة عن تطور الجنين، وليس أي حكم اجتماعي ضد الأنثى.
والنقطة الجوهرية التي سلط عليها الضوء التفسير اليهودي انه أي محاولة لقراءة هذا الاختلاف كأن الأنثى أدنى مكانة غير صحيحة. الأدلة واضحة: لمس جثة إنسان يجعل الشخص نجسًا أكثر بكثير من لمس سحلية ميتة (سفر اللاويين 11:29-31 ؛ سفر العدد 19)، ومع ذلك الإنسان أعظم من كل الزواحف.
بات واضح ان التفسير اليهودي يؤكد أن النص التوراتي لا يُقلِل من قيمة الأنثى مقارنة بالصبي، ومدة التنجيس هي مسألة طقسية ورمزية وصحية بحتة.
رابعاً: إسلامياً
والآن ليخبرنا المُعترض لماذا عند رسول الإسلام محمد بول الطفلة الأنثى أنجس من بول الطفل الذكر؟
نعم في الإسلام إذا بال ذكر على الثوب فيكفي رش بعض الماء عليه لأن الذكر ليس بنجس، أما إذا بالت أنثى على الثوب فيُغسل الثوب.
والدليل:
كان الحسيُن بنُ عليٍّ عليهما السلامُ في حِجرِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فبال عليه ، فقالت(أمُّ الفَضْلِ لُبَابةُ بنتُ الحارثِ) البَس ثوبًا وأعطني إزارَك حتى أغسلَه ، فقال (الرسول)إنما يُغسلُ من بولِ الأنثى ، ويُنضحُ من بولِ الذكرِ
خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : لبابة بنت الحارث أم الفضل | المحدث : ابن القيم | المصدر : أعلام الموقعين | الصفحة أو الرقم : 2/270
| التخريج : أخرجه أبو داود (375)، وابن ماجه (522)، وأحمد (26875)
تفسير الدرر السنية:
فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “إنَّما يُنضَحُ مِن بَولِ الذَّكَرِ”، أي: يُرَشُّ الماءُ على الموضِعِ الَّذي أصابَه البولُ..، إذا كان البَولُ مِن صبيٍّ صَغيرٍ. وفي روايةٍ أنَّه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قال: “دَعِي ابْني؛ إنَّه ليس بنَجسٍ،…
وقولُه: “ويُغسَلُ مِن بولِ الأنثى”، أي: ويُغسَلُ موضِعُ البَللِ مِن البولِ إذا كان البولُ مِن صبيَّةٍ صغيرةٍ، أو يُغسَلُ الثَّوبُ كلُّه.
أما فيما خص الحيض فهو نجاسة حسب إمام المفسرين الطبري.
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة 222)
تفسير الطبري: والأذى” هو ما يؤذى به من مكروه فيه. وهو في هذا الموضع يسمى”أذى” لنتن ريحه وقذره ونجاسته
كما أجمع العلماء المسلمين على أن الحائض والنفساء لا تصليان ولا تصومان، ويحرم عليهما ذلك حتى ينقطع الدم ويغتسلا.
أنَّ فاطمةَ بنتَ أبي حبيشٍ كانت تستحاضُ فقالَ لَها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ إنَّ دمَ الحيضِ دمٌ أسودُ يعرَفُ فإذا كانَ ذلِكَ فأمسِكي عنِ الصَّلاةِ فإذا كانَ الآخرُ فتوضَّئي وصلِّي
صحيح النسائي 361
إذا نفِسَت المرأة فلها حُكمُ الحائِضِ في الأحكام كلِّها، فيحرُمُ عليها ما يحرُمُ على الحائض؛ كالصَّلاةِ والصَّومِ، وطوافِ الوداعِ، والوطءِ، ويحرُمُ طلاقُها، ويلزَمُها الغُسلُ إذا طَهُرت، وقضاءُ الصَّومِ لا قضاءُ الصَّلاةِ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الإجماع
نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ جريرٍ الطبريُّ ، وابنُ حزم ، وابنُ رشد ، وابن قدامة ، والشوكانيُّ
ثانيًا: أنَّ دمَ النِّفاسِ هو دم الحيض، وإنَّما امتنع خروجُه مدَّة الحمل؛ لكونِه ينصرف إلى غِذاءِ الحَملِ، فإذا وُضِعَ الحَملُ، وانقطع العِرقُ الذي كان مَجْرى الدَّمِ، خرج الدَّمُ من الفَرْج، فيثبُت حُكمه، كما لو خرج من الحائِضِ.
المصدر:
