الإعتراض:

لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ! (1 كورنثوس 1: 25).

ويقول المُعترض كتابكم يصف الله بالجهل والضعف.

الرد:

أّوّلاً: تاريخية مدينة كورنثوس Corinth

هي مدينة يونانية قديمة في إقليم Achaea، تدمرت سنة ١٤٦ قبل الميلاد، وأعاد تأسيسها Julius Caesar سنة 44 قبل الميلاد كمستعمرة رومانية.

في زمن كتابة بولس لهذه الرسالة كانت المدينة ثقافتها وحضارتها ولغتها يونانية، أما سياسياً رومانية.

كنيسة كورنثوس كانت مؤلفة من أغلبية يونانية والقليل من الرومان واليهود.

ثانياً: المفارقة البلاغية (Paradox)

بعد ما تأكدنا أن الخلفية الفكرية والثقافية لكنيسة كورنثوس يونانية بشكل واضح.
نعلم لماذا إستخدم بولس الرسول أسلوب يوناني بلاغي مشهور في ذلك الزمان وهو ال Paradox

هذا أسلوب معروف في الأدب اليوناني الكتابي، يقوم على استخدام تعبير ظاهره شيء لكن المقصود به إبراز عكسه أو المفارقة بين معيارين مختلفين.

مثلاً في هذه الآية ينقل بولس ما وصفه الخصم عن الله (الجهل والضعف) لإظهار بطلانه. فهو يتكلم عمّا يظنه البشر جهالة وضعفًا في تدبير وخطة الله، ليبيّن أن هذا الذي يراه الناس كذلك هو في الحقيقة أسمى من حكمة البشر وقوتهم.

“«لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلَا طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ.” (إشعيا 55: 8).
“لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هَكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ.” (إشعيا 55: 9).

  • أحد الأمثلة على هذا الاسلوب اليوناني هو Epimenides وهو كريتي (من جزيرة كريت) وهو من حكماء اليونان القدامى اشتهر بال Paradox لقوله
    «الكريتيون دائمًا كذابون»
    وهذا يبدو متناقض ظاهرياً

وبولس نفسه إقتبسها وهذا دليل واضح أن بولس كان يستخدم الأساليب البلاغية اليونانية المعروفة في زمنه.

“قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَبِيٌّ لَهُمْ خَاصٌّ: «الْكِرِيتِيُّونَ دَائِمًا كَذَّابُونَ. (تيطس 1: 12).

  • أعطي مثل ثاني وهذه عن المفارِقة (Paradox). من أشهر ما قاله الفيلسوف اليوناني سقراط:
    “أنا أعلم أنني لا أعلم شيئًا”

ظاهرها جهل لكن المقصود الإنسان الذي يعرف أن معرفته محدودة هو الأكثر حكمة.

نفس الطريقة استخدمها بولس بعبارات ومعنى مختلف.

لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ.(2 كورنثوس 12: 10).

إذن المفارقة كانت جزءًا من تقنيات الخطابة اليونانية التي استخدمها الفلاسفة والخطباء لإقناع الجمهور.
والفكرة الأساسية فيها:
إظهار الحقيقة العميقة عبر عبارة تبدو متناقضة ظاهريًا.
وكان جمهور القرن الأول يفهم هذا الأسلوب فورًا، لذلك استخدمه بولس الرسول.

ثالثاً: Law of context

أما السياق يوضح المقصود من كلام بولس انه ينقل نظرة العالم إلى الصليب والفداء.

فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ (1 كورنثوس 1: 18)

وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً!
(1 كورنثوس 1: 23).

فمن يقول ان الله جهالة هم الهالكين
ومن يقول ان الهنا ضعيف هم اليهود واليونانيين لأننا نبشر به مصلوباً.

إذا بولس الرسول ينقل كلام الهالكين واليونانيين عن الله بأسلوب Paradox لينقده.

ولكن بالنسبة للمؤمنين الله قوي وحكيم
“وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.” (1 كورنثوس 1: 24).
وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ،” (1 كورنثوس1: 18).

إذن بولس يشرح كيف يقيّم البشر الهالكين خطة الله للخلاص، وليس ما هو الله في ذاته وكيف نراه نحن كمؤمنين.

رابعاً: الكتاب المقدس

يعلن صراحة قوة وحكمة الرب الإله مراراً وتكراراً

عَظِيمٌ هُوَ رَبُّنَا، وَعَظِيمُ الْقُوَّةِ. لِفَهْمِهِ لَا إِحْصَاءَ. (مزمور147: 5).

آهِ، أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، هَا إِنَّكَ قَدْ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقُوَّتِكَ الْعَظِيمَةِ، وَبِذِرَاعِكَ الْمَمْدُودَةِ. لَا يَعْسُرُ عَلَيْكَ شَيْءٌ. (إرميا 32: 17).

وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لَا يَفْنَى وَلَا يُرَى، الإِلَهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ. (1 تيموثاوس 1: 17).

يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ (رومية 11: 33).

خامساً: إسلامياً

نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (التوبة 67)
هل الله ينسى؟

فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا (الأعراف 51)

ظاهر الآية ان الله ينسى المقصود تركهم للعذاب.

إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يَومَ القيامةِ: يا ابنَ آدَمَ، مَرِضتُ فلَم تَعُدْني، قال: يا رَبِّ، كيفَ أعودُك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟! قال: أما عَلِمتَ أنَّ عَبدي فُلانًا مَرِضَ فلَم تَعُدْه؟ أما عَلِمتَ أنَّك لو عُدتَه لَوجَدتَني عِندَه؟ يا ابنَ آدَمَ، استَطعَمتُك فلَم تُطعِمْني، قال: يا رَبِّ، وكيفَ أُطعِمُك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟! قال: أما عَلِمتَ أنَّه استَطعَمَك عَبدي فُلانٌ، فلَم تُطعِمْه؟ أما عَلِمتَ أنَّك لو أطعَمتَه لَوجَدتَ ذلك عِندي، يا ابنَ آدَمَ، استَسقَيتُك فلَم تَسقِني، قال: يا رَبِّ، كيفَ أسقيك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟! قال: استَسقاك عَبدي فُلانٌ فلَم تَسقِه، أمَا إنَّك لو سَقَيتَه وجَدتَ ذلك عِندي.
الراوي : أبو هريرة | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم: 2569 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

ظاهر الحديث أن الله مرُض، جاع وعطش ولكن المقصود عبده من مرض وجاع وعطش.

كما أن المسلمين يفسرون هذه النصوص بالمجاز أو بالسياق ولا يفهمونها حرفيًا على أنها نسيان أو مرض او جوع او عطش عن الله، كذلك عبارة:
«جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس»
هي أسلوب بلاغي (مفارقة) وليس وصفًا حقيقيًا لله