الإعتراض:
وَأَمَّا مُدُنُ هَؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ نَصِيبًا فَلَا تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، (تثنية 20: 16).
ويقول المُعترض هذا أمر إلهي بإبادة الشعوب.
الرد:
أوّلاً: Law of context
بقراءة السياق يتوضح لنا:
سفر التثنية 20 لا يقدّم أمر إلهي مباشر بإبادة كل الشعوب بل يتحدث بوضوح عن شريعة حرب ظرفية ومؤقتة مرتبطة بزمن معيّن تجاه شعوب معيّنة، كما يظهر من افتتاحية الإصحاح:
إِذَا خَرَجْتَ لِلْحَرْبِ عَلَى عَدُوِّكَ (تثنية 20: 1).
هو تنظيم عسكري أعلنه موسى، حيث وزّع الأدوار التنفيذية على:
الكاهن لتحفيز الشعب (آيات 2–3)
العرفاء (قادة الشعب) لتنظيمه (آية 5)
رؤساء الجنود لإدارة القتال (آية 9)
وهذا يؤكد أننا أمام بنية قيادية حربية، لا أمر إلهي عام.
الآية لا تشجع على إبادة جميع الشعوب بدليل أن المدن التي تقع خارج أرض كنعان يُعرض الصلح عليها أولا
حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ (تثنية 20: 10)
أمّا هؤلاء الشعوب التي داخل أرض كنعان وهم:
بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ، (تثنية 20: 17).
هم المعنيين بالتثنية 20: 16
والسبب يكشفه السياق نفسه
لِكَيْ لَا يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا حَسَبَ جَمِيعِ أَرْجَاسِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا لآلِهَتِهِمْ، فَتُخْطِئُوا إِلَى الرَّبِّ إِلَهِكُمْ. (التثنية 20: 18)
إذًا النص لا يتكلم عن “جميع الشعوب” بل عن شعوب محددة جدًا داخل جغرافيا محدّدة.
ثانياً: Canaanite nations
الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ،
الكتاب المقدس نفسه يوصف هؤلاء الشعوب وأعمالهم في اللاويين 18 وسفر التثنية 18 نفسه يصفهم قبل إعطاء هذا الأمر بقتالهم.
١- يعبدون الشيطان ويمارسون السحر واستشارة الشياطين ويمارسون طقوس شيطانية من ضمنها حرق الأطفال.
(تثنية 18: 10-11) و(اللاويين 18: 21)
٢- ممارسة سفاح القربة والشذوذ الجنسي مع الأبناء وكل الأقارب (اللاويين 18: 6-20) و(اللاويين 18: 22)
٣- ممارسة الرجال والنساء الجنس مع الحيوانات (اللاويين 18: 23)
ولا أظن بعد كل ما ذكرت أنني أتحدث عن بشر حقيقيين بل عن وحوش هياكل للشيطان بهيئة بشرية.
ولم يقتصر الموضوع على ذلك بل كان هدف هؤلاء إبادة شعب إسرائيل حرفياً:
فَيَسْمَعُ الْكَنْعَانِيُّونَ وَجَمِيعُ سُكَّانِ الأَرْضِ وَيُحِيطُونَ بِنَا وَيَقْرِضُونَ اسْمَنَا مِنَ الأَرْضِ. وَمَاذَا تَصْنَعُ لاسْمِكَ الْعَظِيمِ؟ (يشوع 7: 9).
وكان الرب يعطيهم فرصة للتوبة أكثر من ٤٠٠ سنة وبقوا مصرّين على شرّهم:
لأَنَّ ذَنْبَ الأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى الآنَ كَامِلًا».” (تكوين 15: 16).
ثالثاً: Hyperbolic War Language
وهو أسلوب معروف في الكتاب المقدس لتضخيم وتحفيز الشعب على القتال تجاه الشعوب المتوحشة مثل شعوب كنعان والعماليق.
والدليل أن عبارة “لا تبق نسمة” هو أسلوب مبالغ مضخم hyperbole وليس حرفي أن شعوب أرض كنعان نفسها بقية مع بني إسرائيل ولم يتم إبادتها.
١- الحويين بقوا بينهم بعد ما قبل العهد معهم.
وَقَالَ لَهُمُ الرُّؤَسَاءُ: يَحْيَوْنَ وَيَكُونُونَ مُحْتَطِبِي حَطَبٍ وَمُسْتَقِي مَاءٍ لِكُلِّ الْجَمَاعَةِ كَمَا كَلَّمَهُمُ الرُّؤَسَاءُ (يشوع 9: 21).
٢- راحاب وكل بيتها من اريحا الكنعانية، نجت لأنها تركت النظام الكنعاني الشيطاني وارتبطت بإله إسرائيل:
وَاسْتَحْيَا يَشُوعُ رَاحَابَ الزَّانِيَةَ وَبَيْتَ أَبِيهَا وَكُلَّ مَا لَهَا، وَسَكَنَتْ فِي وَسَطِ إِسْرَائِيلَ إلى هذا اليوم (يشوع 6: 25).
واندمجت اجتماعياً ودخلت بنسب يسوع المسيح:
سَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ
(متى1: 5)
٣- بقوا الكنعانيين وكانوا يعملون بالجزية:
وَكَانَ لَمَّا تَشَدَّدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْكَنْعَانِيِّينَ تَحْتَ الْجِزْيَةِ، وَلَمْ يَطْرُدُوهُمْ طَرْدًا. (يشوع 17: 13).
وَكَانَ لَمَّا تَشَدَّدَ إِسْرَائِيلُ أَنَّهُ وَضَعَ الْكَنْعَانِيِّينَ تَحْتَ الْجِزْيَةِ وَلَمْ يَطْرُدْهُمْ طَرْدًا. (القضاة 1: 28)
٤- سكنوا مع بني إسرائيل:
فَسَكَنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ (القضاة 3: 5)
٥- تزوجوا من بعضهم
وَاتَّخَذُوا بَنَاتِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً، وَأَعْطُوا بَنَاتِهِمْ لِبَنِيهِمْ
(القضاة 3: 6)
٦- وآية مهمة تؤكد أن عبارة “لا تبق نسمة” هي Hyperbolic language لا أكثر أن الكتاب المقدّس نفسه يقول ان الرب أبقاهم:
فَهَؤُلاَءِ هُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ تَرَكَهُمُ الرَّبُّ…أَقْطَابُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْخَمْسَةُ، وَجَمِيعُ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالصِّيْدُونِيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ سُكَّانِ جَبَلِ لُبْنَانَ، مِنْ جَبَلِ بَعْلِ حَرْمُونَ إِلَى مَدْخَلِ حَمَاةَ. (القضاة 3: 1-3)
هذه المعطيات تُثبت أن عبارة “لا تُبقِ نسمة” ليست وصفًا حرفيًا للإبادة، بل أسلوب حربي بلاغي، بينما الواقع التاريخي يُظهر بقاء الشعوب وتعايشها.
رابعاً: تفسير اليهود
جاء في كتاب:
The Early Prophets, by Everett Fox, Joshua, Part II; Waging War 6-2
ANCIENT NEAR EASTERN KINGS TYPICALLY INSCRIBED
.INFLATED ACCOUNTS OF their conquests
وترجمته : كان الملوك القدماء في الشرق األدنى يدونون عادة روايات مبالغ فيها عن
فتوحاتهم.
المصدر: https://www.sefaria.org/Joshua.6.21?lang=bi&with=Quoting%20Commentar
ويقول الرابي صموئيل بن مئير المعروف Rashbam حفيد الرابي Rashi في تفسيره:
When you confront them in battle do not offer them peace and expulsion as in the case of other hostile nations that are not Canaanites, a procedure I (Moses) have already explained in verse 10. However, if they make the first move in approaching you, and express their willingness to become your slaves before the battle is joined you are allowed to let them live.
وترجمته:
عندما تواجههم في معركة، لا تعرض عليهم السلام والطرد كما هو الحال مع الأمم المعادية الأخرى التي ليست كنعانية، وهو إجراء سبق أن شرحته (موسى) في الآية 10. ومع ذلك، إذا بادروا هم بالتوجه إليك، وأبدوا استعدادهم لأن يصبحوا عبيدك قبل بدء المعركة، فيجوز لك أن تتركهم أحياء.
المصدر:
https://www.sefaria.org/Deuteronomy.20.16?lang=bi&with=Rashbam
جاء في التلمود Sotah 3b:4
What is the reason of Rabbi Yishmael? Since it is written with regard to Canaanites: “You shall save alive nothing that breathes” (Deuteronomy 20:16), it was necessary to write: “Of them may you take your bondmen forever” (Leviticus 25:46), as well, in order to permit one from any of the other, non-Canaanite nations who engaged in sexual intercourse with a Canaanite woman and she bore him a
child. This verse teaches that you are permitted to purchase the child as a slave, as he is not included in the mitzva “You shall save alive nothing that breathes” that was stated with regard to full-fledged Canaanites. Therefore, this verse cannot be teaching that it is mandatory.
وترجمته:
ما هو حكم الحاخام يشماعيل؟ بما أن النص مكتوب بخصوص الكنعانيين: «لا تُبقِ على نفس حية» (تثنية 20: 16)، فقد كان من الضروري كتابة: «منهم تأخذ عبيدك إلى الأبد» (لاويين 25: 46)، وذلك للسماح لأي شخص من أي أمة أخرى غير كنعانية مارس الجنس مع امرأة كنعانية وأنجبت له طفلاً.
تُعلّم هذه الآية أنه يجوز شراء الطفل كعبد، لأنه غير مشمول في فريضة «لا تُبقِ على نفس حية» التي ذُكرت بخصوص الكنعانيين. لذلك، لا يمكن اعتبار هذه الآية واجبة.
المصدر:
https://www.sefaria.org/Deuteronomy.20.16?lang=bi&with=Talmud
وفي التلمود Sotah 36a:1
Rabbi Shimon, who holds that the verse: “You shall keep alive no one who breathes” (Deuteronomy 20:16), is not referring to the gentiles living outside of Eretz Yisrael, because there is no concern that the Jewish people will learn “to do like all their abominations” (Deuteronomy 20:18), as these Canaanites are not located in Eretz Yisrael.
وترجمته:
الحاخام شمعون، الذي يرى أن الآية: “لا تُبقِ على نفس حية” (تثنية 20:16)، لا تشير إلى الأمميين الذين يعيشون خارج أرض إسرائيل، لأنه لا يوجد قلق من أن يتعلم الشعب اليهودي “أن يفعل مثل كل رجاساتهم” (تثنية 20:18)، لأن هؤلاء الكنعانيين ليسوا موجودين في أرض إسرائيل.
المصدر:
https://www.sefaria.org/Deuteronomy.20.16?lang=bi&with=Talmud
بناء عليه التفسير اليهودي نفسه يؤكد أن نص سفر التثنية ليس إبادة مطلقة؛ فالدراسات مثل Everett Fox تُقرّ بوجود لغة حربية مُبالغ فيها، ويشرح صموئيل بن مئير أن الكنعانيين يمكن إبقاؤهم أحياء إن بادروا بالخضوع، بينما يقيّد التلمود البابلي الحكم بجغرافيا كنعان ويُظهر أنه ليس إلزامًا مطلقًا. وهذا ينسجم تمامًا مع ما سبق: أن الأمر ظرفي، موجّه لشعوب محددة، وبصياغة بلاغية، مع وجود استثناءات واقعية للنجاة والاندماج.
