الإعتراض:

العدد ٣١: ١٧ “فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلًا بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا.”

ويقول المُعترض إن موسى أمر بقتل الأطفال والنساء.

الرد:

أوّلاً: السياق التاريخي والخلفية السردية (Context)

لفهم النص، يجب العودة إلى الخلفية الكاملة للعلاقة بين بني إسرائيل وكلٍّ من موآب ومديان.
في البداية، أوصى الرب بني إسرائيل بعدم معاداة موآب أو محاربتهم، كما ورد في:
سفر التثنية ٢: ٨-٩
“فَعَبَرْنَا عَنْ إِخْوَتِنَا بَنِي عِيسُو… فَقَالَ لِي الرَّبُّ: لاَ تُعَادِ مُوآبَ وَلاَ تُثِرْ عَلَيْهِمْ حَرْبًا…”
وكذلك في:
سفر التثنية ٢: ١٨-١٩
“لاَ تُعَادِهِمْ وَلاَ تَهْجِمُوا عَلَيْهِمْ…”
ورغم هذا الموقف السلمي من بني إسرائيل، بادر ملك موآب “بالاق بن صفور” إلى التآمر ضدهم، فسعى إلى إستئجار بلعام ليلعن شعب الرب في سفر العدد ٢٢: ٧. ورغم أن بلعام أُبلغ بأن الشعب مبارك، وأعاد هذا الكلام لبالاق، إلا أن الأخير أصرّ وأرسل وفوداً أعظم العدد ٢٢: ١٥، واستمر في محاولاته.
وبسبب طمع بلعام في العطايا، قدّم مشورة شريرة لبالاق، تقوم على إفساد بني إسرائيل من الداخل عبر إغوائهم بالنساء وإدخالهم في عبادة الأوثان، وهو ما تؤكده النصوص التالية:
رسالة بطرس الثانية ٢: ١٥
“تَابِعِينَ طَرِيقَ بَلْعَامَ… الَّذِي أَحَبَّ أُجْرَةَ الإِثْمِ”
رسالة يهوذا ١١
“وَانْصَبُّوا إِلَى ضَلاَلَةِ بَلْعَامَ لأَجْلِ أُجْرَةٍ”
سفر رؤيا يوحنا ٢: ١٤
“الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً… أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ وَيَزْنُوا”
وبالفعل، سقط بنو إسرائيل في هذا الفخ:
سفر العدد ٢٥: ١-٣
“وَابْتَدَأَ الشَّعْبُ يَزْنُونَ مَعَ بَنَاتِ مُوآبَ… وَتَعَلَّقَ إِسْرَائِيلُ بِبَعْلِ فَغُورَ”
بل وصل الأمر إلى ممارسة الفحشاء علناً أمام موسى سفر العدد ٢٥: ٦، ما يدل على إنهيار الضبط الديني والأخلاقي داخل الجماعة.
ونتيجة ذلك، ضرب وباء الشعب ومات ٢٤٠٠٠ إنسان:
العدد ٢٥: ٩
“وَكَانَ الَّذِينَ مَاتُوا بِالْوَبَإِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا”
وعندها صدر الأمر الإلهي:
العدد ٢٥: ١٦-١٨
“ضَايِقُوا الْمِدْيَانِيِّينَ… لأَنَّهُمْ ضَايَقُوكُمْ بِمَكَايِدِهِمْ…”

ثانياً: الإطار القضائي واللاهوتي للعقوبة

في ضوء هذا السياق، يظهر أن القضية ليست حرباً عشوائية، بل ردّ على خيانة دينية وأخلاقية منظّمة هدفت إلى إسقاط شعب بأكمله روحياً.
ومن المعروف في كل الأنظمة أن الخيانة العظمى والتآمر الداخلي تُقابل بأشد العقوبات.

العدد ٣١: ٧-٩
“فَتَجَنَّدُوا عَلَى مِدْيَانَ… وَقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ… وَسَبَى بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ مِدْيَانَ وَأَطْفَالَهُمْ”
يتضح أن:
القتل في ساحة الحرب كان موجهاً ضد الذكور (المحاربين ومن يمارس الطقوس)
بينما النساء والأطفال تم سبيهم
لكن لاحقاً يأتي أمر موسى:
العدد ٣١: ١٦-١٧
هؤُلاَءِ كُنَّ… سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ… فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلًا بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا.
وهنا يتبيّن أن الأمر موجّه تحديداً نحو:
النساء اللواتي شاركن في الإغواء والخيانة وليس كل النساء بشكل عشوائي

ثالثاً: تحديد مفهوم “الأطفال” في السياق القديم

لفهم مصطلح “الأطفال”، يجب الرجوع إلى المفهوم القديم، وليس المفهوم الحديث.
يقول Philo of Alexandria في كتابه:
On the Creation of the Cosmos according to Moses, p.105
“He is an infant till he reaches his seventh year… He is a child till he arrives at the age of puberty”
الترجمة:
“هو رضيع حتى سن السابعة… وهو طفل حتى يبلغ سن البلوغ”

وجاء في تفسير Chatam Sofer للحاخام موسى سوفِر:

ועתה הרגו כל זכר בטף נראה שהשאירום מתחילה כדי לשמור המלקוח הרב הזה שש מאות אלף ותרע”ה צאן וגם מי ינהיג הצאן והבקר ושבי הנקבות אם לא אלו הזכרים שהי’ כבני י”ט שנים שכל מי שלא הגיע לעשרים נקרא טף:
وترجمته:
“والآن اقتلوا كلَّ ذكرٍ من الأطفال:
يبدو أنهم كانوا قد أبقوهم في البداية من أجل حفظ هذا الغنيمة الكثيرة، وهي ستمئة ألف وخمسة وسبعون ألفاً من الغنم. وأيضاً، من الذي كان سيقود الغنم والبقر وسبايا النساء إن لم يكن هؤلاء الذكور الذين كانوا كأبناء تسع عشرة سنة؟ لأن كل من لم يبلغ العشرين يُدعى طفلاً.”

المصدر:
https://www.sefaria.org/Numbers.31.17?lang=bi&with=Chatam%20Sofer

بناءً عليه، مصطلح “الأطفال” في السياق القديم قد يشمل:
من هم في سن البلوغ أي ضمن الفئة القابلة للمشاركة في القتال وبالتالي، المقصود ليس الأطفال بمفهومنا الحديث، بل الفئة القتالية الناشئة.

رابعاً: تفسير اليهود

قتل النساء بحسب التفاسير اليهودية بناء للنص نفسه يوضح أن النساء المقصودات هن سبب الخيانة:
العدد ٣١: ١٧
“سَبَبَ خِيَانَةٍ لِلرَّبِّ”

يقول
Rabbi Ovadiah ben Jacob Sforno:
“these soldiers should have at least killed the women… who had caused the death of 24,000 Israelites…”
الترجمة:
“كان ينبغي قتل النساء اللواتي تسببن في مقتل 24,000 إسرائيلي عبر إغوائهم”

المصدر:
https://www.sefaria.org/Sforno_on_Numbers.31.5.1?lang=bi

خامساً: الدليل النصّي على عدم إبادة المديانيين

لو كان النص حرفياً بإبادة كاملة، لما بقي المديانيون لاحقاً.
لكن نرى:
سفر القضاة ٦: ٥
“يَجِيئُونَ كَالْجَرَادِ فِي الْكَثْرَةِ”
وسفر القضاة ٨: ٢٨
“وَذَلَّ مِدْيَانُ…”
وكذلك:
حبقوق ٣: ٧
“رَجَفَتْ شُقَقُ أَرْضِ مِدْيَانَ”
وهذا يدل بوضوح على بقاء المديانيين وتكاثرهم عبر الزمن

الخلاصة تم قتل كل من تعلق وأصرّ على عبادة بعل فغور دون توبة، تم محاربة المديانيين وقتل بلعام والنساء اللواتي تآمرن واوقعنا بني اسرائيل والأطفال من المقاتلين اللي كانوا بسن البلوغ ، أما النساء والأطفال فبقيوا أحياء وعادوا وتكاثروا وهاجموا بني اسرائيل كما اثبتنا كتابياً.