الإعتراض:

فَعَلِمَ أُونَانُ أَنَّ النَّسْلَ لاَ يَكُونُ لَهُ، فَكَانَ إِذْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيهِ أَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَى الأَرْضِ، لِكَيْ لاَ يُعْطِيَ نَسْلًا لأَخِيهِ.
سفر التكوين ٣٨: ٩

ويقول المُعترض يوجد اعتراضين الأوّل أنّ الكتاب المقدس يأمر زواج الأخ من أرملة أخيه، وأنه يوجد كلام جنسي يفسد عالأرض.

الرد:

أوّلاً: الغاية

تمثّلت الغاية من هذه الشريعة في الحفاظ على اسم الميت داخل بيت إسرائيل، ومنع انتقال أرملة الأخ إلى رجل أجنبي من الأمم الوثنية أو إلى عشيرة وسبط آخر. فقد كان الشعب اليهودي يسعى إلى تجنّب الاختلاط بالوثنيين والمحافظة على هويته الدينية والقومية، كما كان استمرار نسل الرجل اليهودي يُعدّ علامة بركة إلهية. لذلك أوصت الشريعة بأن يتزوّج الأخ أرملة أخيه إذا مات دون أن يترك منها نسلًا.

إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعًا وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، فَلاَ تَصِرِ امْرَأَةُ الْمَيْتِ إِلَى خَارِجٍ لِرَجُل أَجْنَبِيٍّ. أَخُو زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، وَيَقُومُ لَهَا بِوَاجِبِ أَخِي الزَّوْجِ. وَالْبِكْرُ الَّذِي تَلِدُهُ يَقُومُ بِاسْمِ أَخِيهِ الْمَيْتِ، لِئَلاَّ يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسْرَائِيلَ.
التثنية ٢٥: ٥-٦

ثانياً: دلالة الأخ في اليهودية

المقصود بالأخ في الثقافة اليهودية ليس بالضرورة الأخ البيولوجي بل أحد الأقارب الذين من نفس العشيرة. بدليل زواج “بوعز” من “راعوث” مع أنه كان هناك ولي أقرب لها من بوعز.

فَالآنَ أَلَيْسَ بُوعَزُ ذَا قَرَابَةٍ لَنَا راعوث ٣: ٢

وَالآنَ صَحِيحٌ أَنِّي وَلِيٌّ، وَلكِنْ يُوجَدُ وَلِيٌّ أَقْرَبُ مِنِّي
راعوث ٣: ١٢

وَكَذَا رَاعُوثُ الْمُوآبِيَّةُ امْرَأَةُ مَحْلُونَ قَدِ اشْتَرَيْتُهَا لِيَ امْرَأَةً، لأُقِيمَ اسْمَ الْمَيِّتِ عَلَى مِيرَاثِهِ وَلاَ يَنْقَرِضُ اسْمُ الْمَيِّتِ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ وَمِنْ بَابِ مَكَانِهِ. أَنْتُمْ شُهُودٌ الْيَوْمَ
راعوث ٤: ١٠

إذا رغم أن ل”راعوث” ولي أقرب لزوجها من “بوعز”، تزوجها بوعز وهذا دليل انه ليس بالضرورة الأقرب بيولوجياً ان يقيم نسل لأخيه (أو قربيه) المتوفي.

حدث آخر:
“عير” إبن يهوذا تزوج “ثامار” وتوفى دون إقامة نسل، بعد رفض شقيقه الثاني “اونان” الإنجاب منها.

“شيلة” الشقيق الثالث لم يتزوج ثامار وهذا دليل انه ليس مرغم على القيام بهذا الأمر .
لأنَّهَا رَأَتْ أَنَّ شِيلَةَ قَدْ كَبُرَ وَهِيَ لَمْ تُعْطَ لَهُ زَوْجَةً.
تكوين ٣٨: ١٤

رابعاً: الإعتراض على الرد:

قد يعترض المُعترض ويقول هو مرغم والدليل ان في سفر التكوين ٣٨: ٩ ان اونان عندما رفض إقامة نسل لأخيه، أماته الرب في تكوين ٣٨: ١٠ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مَا فَعَلَهُ، فَأَمَاتَهُ أَيْضًا.

لذلك وُجِب توضيح المسألة:

اذا كان هذا هو الحال لماذا لم يميت “شيلة”؟
لأنَّهَا رَأَتْ أَنَّ شِيلَةَ قَدْ كَبُرَ وَهِيَ لَمْ تُعْطَ لَهُ زَوْجَةً.
تكوين ٣٨: ١٤

١- “فقبح في عيني الرب” هو زواج اونان فقط ليتمتع بها جنسياً ورفض إقامة نسل، لأنه كان يمكن ان يرفض الزواج بها ببساطة فيتخذها الولي الثاني الأقرب أو احد العشيرة ، لكنه تزوجها وكان هدفه شرير الطمع والأنانية والجنس وان لا يشاركه اسم أخيه بالميراث.

يقول الرابي عوفاديا بن يعقوب سفورنو Sforno :

I fail to understand how someone who married in order to use sex only as an act of self-gratification can be described as having acquired a merit by the act of marrying. Perhaps gratifying the sex urge only with someone to whom one is married

وترجمته:
لا أفهم كيف يمكن وصف شخص تزوج من أجل استخدام الجنس فقط كعمل من أعمال إرضاء الذات بأنه اكتسب فضيلة من خلال فعل الزواج. وربما لإرضاء الرغبة الجنسية فقط مع شخص متزوج منه…

المصدر:
https://www.sefaria.org/Genesis.38.9?lang=bi&with=Sforno

٢- “أماته الرب” تعبير يهودي:

السببية الإلهية Divine Causality

كان يُنسب سماح الله وكأنه هو الفاعل، بحكم انه صاحب السلطة على التاريخ.

أحداث من الكتاب المقدس نفسه:

وَكَانَ لَمَّا تَقَسَّى فِرْعَوْنُ عَنْ إِطْلاَقِنَا أَنَّ الرَّبَّ أَمَاتَ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ خروج ١٣: ١٥

فَإِنَّ الرَّبَّ يَجْتَازُ لِيَضْرِبَ الْمِصْرِيِّينَ. فَحِينَ يَرَى الدَّمَ عَلَى الْعَتَبَةِ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ يَعْبُرُ الرَّبُّ عَنِ الْبَابِ وَلاَ يَدَعُ الْمُهْلِكَ يَدْخُلُ بُيُوتَكُمْ لِيَضْرِبَ
خروج ١٢: ٢٣

إذا رغم أن الكاتب دوّن ان الرب من أمات كل بكر نرى أن المُهلك (أي الشيطان) من قام بذلك، كل ما في الأمر ان في التعبير اليهودي ينسب كل سماح الله كأنه هو الفاعل بحكم ال Divine Causality

حدث آخر:
“عير” نُسب موته للرب، دوّن الكاتب عبارة “أماته الرب” نفس التعبير مُستخدم علماً أنه زوج ثامار الأول، ولكنه كان شرير.

مع العلم ان كثير من الاشرار استفحلوا بشرهم وبقيوا على قيد الحياة، إذا الموضوع هو فقط تعبير كتابي وأسلوب تعبير خاص بالكاتب.

إذاً تعبير “أماته الرب” لا علاقة له بموضوع زواج الأخ من أرملة أخيه بل تعبير كتابي فقط لا غير، كما يُقال مثلاً عن شخص مقتول بالرصاص أخذ الرب أمانته علماً ان ليس الرب من قتله وأخذ حياته بل مجرم أطلق النار عليه وأخذ حياته.

خامساً: تفسير اليهود

يقول الرابي Steinsaltz:

Onan knew that the offspring would not be his, and that any children born from this marriage would not be called by his name, but by the name of his deceased brother. Therefore, it was when he engaged in intercourse with his brother’s wife; he would spill it on the ground, practiced coitus interruptus, so as not to give offspring for his brother .
Out of envy, Onan preferred to have no children rather than have children who would be regarded as his brother’s.
وترجمته:
كان عونان يعلم أن النسل لن يكون له، وأن أي طفل يولد من هذا الزواج لن يُدعى باسمه، بل باسم أخيه المتوفى. لذلك، عندما يمارس الجنس مع زوجة أخيه؛ كان يسكبها على الأرض، ويمارس الجماع المنقطع، حتى لا يعطي ذرية لأخيه.
ومن باب الحسد، فضّل عونان ألا يكون له أطفال على أن يكون له أطفال يُعتبرون لأخيه.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Genesis.38.9?lang=bi&with=Steinsaltz

سادساً: إسلامياً:

لمن يقول ان تعبير “يفسد عالأرض” تعبير جنسي، نعود ونكرر تسمية الأحداث كما هي ليست جريمة بل أمانة في نقل الحدث، وهذا ما حصل تحديداً وكاتب الوحي كان أمين في تدوين ما جرى.
والسؤال لماذا الكيل بمكيالين؟

دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ العَزْلِ، قَالَ أبو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مع رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فأصَبْنَا سَبْيًا مِن سَبْيِ العَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، واشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ، وأَحْبَبْنَا العَزْلَ، فأرَدْنَا أنْ نَعْزِلَ، وقُلْنَا: نَعْزِلُ ورَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيْنَ أظْهُرِنَا قَبْلَ أنْ نَسْأَلَهُ؟! فَسَأَلْنَاهُ عن ذلكَ، فَقَالَ: ما علَيْكُم أنْ لا تَفْعَلُوا، ما مِن نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلى يَومِ القِيَامَةِ إلَّا وهي كَائِنَةٌ.
الراوي : أبو سعيد الخدري | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 4138 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه البخاري (4138)، ومسلم (1438)

شرح الحديث من موقع الدرر السنية : في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ عبدُ اللهِ بنُ مُحَيْريزٍ، أنَّه سَأَلَ الصَّحابيَّ أبا سَعيدٍ الخُدْريَّ رَضيَ اللهُ عنه عن حُكمِ العَزلِ، والعَزلُ يكونُ بنَزْعِ الذَّكَرِ مِن فَرْجِ المَرْأةِ قبْلَ الإنْزالِ، ويُنزِلُ الرَّجلُ خارِجَ الفَرْجِ؛ مَنعًا لحُدوثِ الحَمْلِ

عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ « أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ بعائِشَةَ، فأصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ فقالَتْ عائِشَةُ: إنَّما كانَ يُجْزِئُكَ إنْ رَأَيْتَهُ أنْ تَغْسِلَ مَكانَهُ، فإنْ لَمْ تَرَ نَضَحْتَ حَوْلَهُ ولقَدْ رَأَيْتُنِي أفْرُكُهُ مِن ثَوْبِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَرْكًا فيُصَلِّي فِيهِ. وفي رواية: عن عائِشَةَ في المَنِيِّ قالَتْ: كُنْتُ أفْرُكُهُ مِن ثَوْبِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم
الصفحة أو الرقم: 288 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]

ولمن يعترض على زواج الأرملة التي لم تنجب من ولي قريب من زوجها المتوفي، ألم تسمع كيف آخى رسول الإسلام بين المسلمين؟؟

لَمَّا قَدِمْنا المَدِينَةَ آخَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَيْنِي وبيْنَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، فقالَ سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ: إنِّي أكْثَرُ الأنْصارِ مالًا، فأَقْسِمُ لكَ نِصْفَ مالِي، وانْظُرْ أيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لكَ عَنْها، فإذا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَها. قالَ: فقالَ له عبدُ الرَّحْمَنِ: لا حاجَةَ لي في ذلكَ، هلْ مِن سُوقٍ فيه تِجارَةٌ؟ قالَ: سُوقُ قَيْنُقاعٍ. قالَ: فَغَدا إلَيْهِ عبدُ الرَّحْمَنِ، فأتَى بأَقِطٍ وسَمْنٍ، قالَ: ثُمَّ تابَعَ الغُدُوَّ، فَما لَبِثَ أنْ جاءَ عبدُ الرَّحْمَنِ عليه أثَرُ صُفْرَةٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: تَزَوَّجْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومَنْ؟ قالَ: امْرَأَةً مِنَ الأنْصارِ، قالَ: كَمْ سُقْتَ؟ قالَ: زِنَةَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ -أوْ نَواةً مِن ذَهَبٍ-، فقالَ له النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أوْلِمْ ولو بِشاةٍ.
الراوي : عبدالرحمن بن عوف | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري | الصفحة أو الرقم : 2048 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]