الإعتراض:
سَلَبْتُ كَنَائِسَ أُخْرَى آخِذًا أُجْرَةً لأَجْلِ خِدْمَتِكُمْ، وَإِذْ كُنْتُ حَاضِرًا عِنْدَكُمْ وَاحْتَجْتُ، لَمْ أُثَقِّلْ عَلَى أَحَدٍ. (2 كورنثوس 11: 8)
ويقول المُعترض بولس يعترف انه سارق.
الرد:
أوّلاً: Law of context
بقراءة سياق النص يتّضح ان عبارة “سلبت” تعني أنه أخذ أجرة وهذا واضح من الآية نفسها “آخِذًا أُجْرَةً لأَجْلِ خِدْمَتِكُمْ”.
وايضا الآية 9 تُزيل أي لبس بأن مؤمنين من كنيسة مكدونية قاموا بتسديد إحتياج بولس الرسول في فتره خدمته كنيسة كورنثوس.
لأَنَّ احْتِيَاجِي سَدَّهُ الإِخْوَةُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنْ مَكِدُونِيَّةَ.
(2 كورنثوس 11: 9)
ثانياً: Irony
وهو أسلوب تهكمي أدبي يستخدمه بولس الرسول ، فاستخدامه هنا لعبارة “سلبت” ليس إلاّ أسلوب تهكّمي مبالغ أدبياً (hyperbole) للدلالة على أخذ دعم من جهة لصالح جهة أخرى، وليس السرقة غير المشروعة.
بالتالي، النص لا يُفهم حرفيًا، بل ضمن أسلوب بلاغي شائع في الأدب القديم، حيث يُستخدم تعبير تهكمي صادم لتأكيد فكرة معينة.
ثالثاً: تعليم بولس الرسول
بولس الرسول كان يحاول أقصى جهده كي لا يثقل على احد:
١) آيات تؤكد أن بولس الرسول لم يهمه الماديات وإن كل همّه كان تأمين حاجاته وكان بأغلب الأحيان يؤمنها بتعب يديه:
فِضَّةَ أَحَدٍ أَوْ ذَهَبَهُ أَوْ لِبَاسَهُ لَمْ أَشْتَهِ. أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ.
(أعمال 20: 33-34).
وَلِكَوْنِهِ مِنْ صِنَاعَتِهِمَا أَقَامَ عِنْدَهُمَا، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ، لأَنَّهُمْ كَانُوا خِيَامِيِّينَ بِالصِّنَاعَةِ
(أعمال 18: 3).
وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ.
(1 كورنثوس 4: 12).
وَنَحْنُ عَامِلُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا كَيْ لَا نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ.
(1 تسالونيكي 2: 9).
وَلَا أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَدٍ، بَلْ كُنَّا نَشْتَغِلُ بِتَعَبٍ وَكَدٍّ لَيْلًا وَنَهَارًا، لِكَيْ لَا نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ. (2 تسالونيكي 3: 7-8).
٢) بولس الرسول علم وحذّر من السرقة والطمع:
لَا يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلًا الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ. (أفسس 4: 28).
لَا تَضِلُّوا: …وَلَا سَارِقُونَ وَلَا طَمَّاعُونَ… يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ.
(1 كورنثوس 6: 9-10).
لا تَسْرِقْ، … وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى، هِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ: «أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». (رومية 13: 9)
وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلَا يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ،… بَلْ بِالْحَرِيِّ الشُّكْرُ. فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ … أَوْ طَمَّاعٍ… لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ.
(أفسس 5: 3-5).
وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ، تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ. لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ.
(1 تيموثاوس 6: 9-10).
بالتالي، من غير المنطقي اتهامه بالسرقة، لأن سلوكه العملي وتعليمه معًا ينفيان ذلك بشكل قاطع.
رابعاً: إسلامياً
١- هل يجوز استغلال الدين والسلطة والتخويف لسلب الناس ذهبهم ؟
أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أتته امرأةٌ وفي يدِ ابنتِها مِسكتانِ غليظتانِ من ذهبٍ، المسكتانِ يعني السوارَينِ، قال: أتؤدِّينَ زكاةَ هذا؟» قالت: لا، قال: أيَسرُّكِ أن يُسورَكِ اللهُ بهما يومَ القيامةِ سوارين من نارٍ؟»
خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح
الراوي : [جد عمرو بن شعيب] | المحدث : ابن عثيمين | المصدر : مجموع فتاوى ابن عثيمين | الصفحة أو الرقم : 497/18
| التخريج : أخرجه أبو داود (1563) واللفظ له، والترمذي (637) باختلاف يسير، والنسائي (2479) باختلاف يسير.
٢- حادثة سرقة القطيفة الحمراء
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (آل عمران 161)
وهذه الآية نزلت بعد ان فقدت يوم بدر قطيفة حمراء اتهموا أن رسول الإسلام محمد سرقها فنزلت لإعطائه صك براءة من التهمة.
وهذا تفسير ابن كثير :
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا المسيب بن واضح ، حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن سفيان [ عن ] خصيف ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها . فأنزل الله : ( وما كان لنبي أن يغل ) أي يخون
وأضاف التفسير:
وهذا تبرئة له ، صلوات الله وسلامه عليه ، عن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك .
ولكن بعد موته ظهرت القطيفة الحمراء
جعلَ تحتَ رسولِ اللَّهِ حينَ دفنَ، قَطيفةٌ حمراءُ
خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : عبدالله بن عباس | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي الصفحة أو الرقم : 2011
التخريج : أخرجه النسائي (2012) واللفظ له، ومسلم (967)، والترمذي (1048)
٣- ايضاً استغلال نصوص دينية لسرقة الناس ، وهذه الآية نزلت وبدأ رسول الإسلام محمد يأخذ اراضي الناس ويعدهم بالجنة.
مَّن ذَا ٱلَّذِی یُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنࣰا فَیُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥۤ أَضۡعَافࣰا كَثِیرَةࣰۚ وَٱللَّهُ یَقۡبِضُ وَیَبۡصُۜطُ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ (البقرة ٢٤٥)
تفسير الطبري:
٥٦١٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: لما نزلت:”من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة”، جاء ابن الدحداح إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، ألا أرى ربنا يستقرضنا؟ مما أعطانا لأنفسنا! وإن لي أرضين: إحداهما بالعالية، والأخرى بالسافلة، وإني قد جعلت خيرهما صدقة! قال: فكان النبي ﷺ يقول:”كم من عذق مذلل لابن الدحداح في الجنة!
٥٦١٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن رجلا على عهد النبي ﷺ لما سمع بهذه الآية قال:”أنا أقرض الله”، فعمد إلى خير حائط له فتصدق به.
(اي ان الشخص قصد أفضل بستان أو أرض مثمرة يملكها واعطاها لمحمد ظنّاً منه انه يقرض الله)
٥٦٢٠- حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي النيسابوري قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت:”من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا”، قال أبو الدحداح: يا رسول الله، أو إن الله يريد منا القرض؟! قال: نعم يا أبا الدحداح! قال: يدك! قال:(٩) .
فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، حائطا فيه ستمئة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها، فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك! قال: اخرجي! قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمئة نخلة.
تفسير ابن كثير:
لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟ قَالَ: “نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ” قَالَ: أَرِنِي يَدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَنَاوَلَهُ يَدَهُ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي. قَالَ: وَحَائِطٌ لَهُ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ وَعِيَالُهَا. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَنَادَاهَا: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ. قَالَتْ: لَبَّيْكَ قَالَ: اخْرُجِي فَقَدْ أَقْرَضْتُهُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ..
تفسير القرطبي:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: “مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً” قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أو إن اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟ قَالَ: “نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ” قَالَ: أَرِنِي يَدَكَ [قَالَ] فَنَاوَلَهُ، قَالَ: فَإِنِّي أَقْرَضْتُ اللَّهَ حَائِطًا فِيهِ ستمائة نخلة.
ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ وَعِيَالُهُ، فَنَادَاهَا: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ، قَالَتْ: لَبَّيْكَ، قَالَ: اخْرُجِي، قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ حَائِطًا فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: لَمَّا نَزَلَ: “مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً” قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُنَا وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْقَرْضِ؟ قَالَ: “نَعَمْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ بِهِ”. قَالَ: فَإِنِّي إِنْ أَقْرَضْتُ رَبِّي قَرْضًا يَضْمَنُ لِي بِهِ وَلِصِبْيَتِي الدَّحْدَاحَةِ مَعِي الْجَنَّةَ؟ قَالَ: “نعم” قال: فناولني يدك، فناوله رسوله اللَّهِ ﷺ يَدَهُ. فَقَالَ: إِنَّ لِي حَدِيقَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِالسَّافِلَةِ وَالْأُخْرَى بِالْعَالِيَةِ، وَاللَّهِ لَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا، قَدْ جَعَلْتُهُمَا قَرْضًا لِلَّهِ تَعَالَى..
