الإعتراض:

هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ. التكوين ١١: ٧

ويقول المُعترض هذه خرافة لتفسير تعدد اللغات؟

أوّلاً: Law of context

عند قراءة النص في سياقه الكامل نلاحظ أن القضية الأساسية ليست شرح نشأة أو تعدد اللغات، بل القضية هي الكبرياء والتمرد الجماعي المستمر حتى بعد الطوفان.

١- الحادثة بعد الطوفان:
تكوين ١٠: ٣٢
وَمِنْ هَؤُلاَءِ تَفَرَّقَتِ الأُمَمُ فِي الأَرْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ.

٢- إستمرار الكبرياء والتمرد:
وَقَالُوا: هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ، وَنَصْنَعْ لأَنْفُسِنَا اسْمًا التكوين ١١: ٤

فمحور القصة هو محاولة الإنسان تمجيد نفسه وتحدي الرب، لذلك جاء التدخل الإلهي لإيقاف مشروع التمرد، لا لتقديم درس لغوي.

ثانياً: تفسير اليهود

يقول الرابي Ibn Ezra:

Some say that the people building the tower started hating each other and each one invented a new language. Others say that the One who grants knowledge to man caused them to forget their language. In my opinion, they were first scattered. After their dispersion Nimrod ruled over Babel and other kings arose. With the passage of time and the death of the first generation to be scattered, the original language was forgotten. God scattered the people for their own benefit. He similarly said, and replenish the earth (Gen. 1:28).
ترجمته:
يقول البعض إن القوم الذين بنوا البرج بدأوا يكرهون بعضهم بعضًا، فابتكر كل واحد منهم لغة جديدة. ويقول آخرون إن من أنعم على الإنسان بالمعرفة أنساهم لغتهم. أما أنا فأرى أنهم تشتتوا أولًا. وبعد تفرقهم، حكم نمرود بابل، وظهر ملوك آخرون. ومع مرور الزمن وموت الجيل الأول الذي تشتت، نُسيت اللغة الأصلية. شتت الله القوم لمصلحتهم، كما قال: «واملأوا الأرض» (تكوين ١: ٢٨).

المصدر:
https://www.sefaria.org/Genesis.11.7?lang=bi&with=Ibn%20Ezra

وجاء في تفسير Cassuto
ונבלה שם שפתם. ונבטל על ידי כך את התנאי המוקדם המאפשר את הצלחת עבודתם.
ترجمته:
“ونبلبل هناك لغتهم”: أي نُبطل بذلك الشرط المسبق الذي يتيح نجاح عملهم.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Genesis.11.7?lang=bi&with=Cassuto

وجاء في تفسير
Chibbah Yeteirah on Torah:
ונבלה שם שפתם. נטיל בהם מחלוקת ויחדלו לבנת העיר.
وترجمته:
“ونبلبل هناك لغتهم”: أي سنلقي بينهم خلافًا ونزاعًا، فيكفّوا عن بناء المدينة.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Genesis.11.7?lang=bi&with=Chibbah%20Yeteirah%20on%20Torah

ويقول الرابي Radak :
The entire verse is to be understood as a metaphor, seeing that the Creator does not mingle with the creature He has created.
ترجمته:
ينبغي فهم العدد بأكمله على سبيل المجاز، حيث أن الخالق لا يختلط بالمخلوق الذي خلقه.

אשר לא ישמעו, that they will not understand. The root שמע is used here as “hearing” with one’s heart, as distinct from hearing with one’s ears. We encounter a parallel use of the root שמע in that sense in Deuteronomy 28,49 אשר לא תשמעו, “if you fail to heed, etc.” Words that come forth from the mouth are described as שפה or לשון, “language.”
ترجمته:
حتى لا يسمعوا”، أي: حتى لا يفهموا.
فالجذر שמע (سمع) يُستعمل هنا بمعنى السماع بالقلب، تمييزًا له عن السماع بالأذنين.
ونجد استعمالًا موازيًا لهذا الجذر بهذا المعنى في تثنية ٢٨: ٤٩ “أمة لا تفهم (لا تسمع) لسانها”.
والكلمات التي تخرج من الفم تُوصف بأنها شفة (שפה) أو لسان (לשון)، أي لغة.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Genesis.11.7?lang=bi&with=Radak

ثالثاً: Divine Causality
(السببية الإلهية)

ينسب سفر التكوين بلبلة الألسنة إلى الله:
«هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ» التكوين ١١: ٧
وذلك لأن في الفكر الكتابي كثيرًا ما تُنسب الأحداث إلى الرب لأنه صاحب السلطان على التاريخ حتى عندما تتم من خلال أسباب بشرية.
فحين وقع الخلاف والإنقسام بين البنائين وفشل مشروعهم وتفرّقوا، نُسب ذلك إلى الرب لأنه سمح به.
لذلك فالنص يعلن السببية الإلهية للحدث، أي أن الرب هو السبب الأعلى وراء ما جرى، دون أن يكون بصدد شرح الآلية التفصيلية التي وقع بها التشتت والاختلاف بينهم.

رابعاً: المعنى الروحي

قصة بناء برج بابل في عمقها تحمل معنى روحي، الرب يقاوم المتكبرين ويرفض لغة التكبر والتمرد، لا بل إرادته فعلاً أن يتكلم البشر لغة واحدة وهي لغة المحبة.

أمثال ١٦: ١٨
قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ

أمثال ٨: ١٣
مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ. الْكِبْرِيَاءَ وَالتَّعَظُّمَ… أُبْغِضُ

إشعياء ١٤: ١٣-١٤
أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ… أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ

أما لغة المحبة التي يريدها الرب

يوحنا ١٣: ٣٤
أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا

أفسس ٤: ٢-٣
بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَوَدَاعَةٍ… مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ

كولوسي ٣: ١٤
وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ

خامساً: البُعد النبوي الرمزي للقصة

حادثة ظل بين بابل العهد القديم التي توحدت على لغة التكبر والتمرد الأنانية وهدفها إسم الشخصي، وبين بابل العهد الجديد (العنصرة) التي توحدت على المحبة فتكلمت بألسنة جديدة وهدفها إسم الرب.

هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا… وَنَصْنَعْ لأَنْفُسِنَا اسْمًا التكوين ١١: ٤

فَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى
أعمال ٢: ٤

خلاصة:
قصة برج بابل ليست محاولة بدائية لتفسير تعدد اللغات، بل رواية لاهوتية عن الكبرياء والتمرد الجماعي. فالسياق يركّز على مشروع الإنسان لصنع اسم لنفسه متحديًا إرادة الله، لذلك جاء الحكم الإلهي بإفشال مشروع الوحدة المبنية على الأنانية. وقد فهم عدد من المفسرين اليهود أن «بلبلة الألسنة» تشير إلى التشتت والانقسام وفقدان التفاهم وظهور النزاعات، لا بالضرورة إلى خلق لغات جديدة لحظيًا. ومن ثمّ ينسب الكتاب المقدس الحدث إلى الله بوصفه صاحب السلطان على التاريخ (Divine Causality)، بينما تبقى الآليات البشرية جزءًا من تنفيذ هذا الحكم. وفي المقابل يقدّم العهد الجديد في العنصرة الصورة المعاكسة: فبعد أن فرّقت لغة الكبرياء البشر في بابل، جمعتهم لغة المحبة والروح القدس، ليصبح مجد الله لا مجد الإنسان هو محور الوحدة الحقيقية.

سادساً: إسلامياً

وَمَاۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَیۡنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَۚ
سورة البقرة ١٠٢:

تفسير الطبري:
مسألة ١٦٨١ – حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة قال: حدثنا أبو شعبة العدوي في جنازة يونس بن جبير أبي غلاب، عن ابن عباس قال: إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا: يا رب، هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا! قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا! قال: فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض، قال: فاختاروا هاروت وماروت. فاهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها من شيء، غير أن لا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق. قال: فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن، يقال لها”بيذخت” فلما أبصراها أرادا بها زنا، فقالت: لا إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم! فقالا ما كنا لنشرك بالله شيئا! فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثملا ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقع من الشر، أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك! كنت أعلم! قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل.