الإعتراض:
وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ،
(لوقا 2: 22).
كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: إِذَا حَبِلَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدَتْ ذَكَرًا، تَكُونُ نَجِسَةً سَبْعَةَ أَيَّامٍ. كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِ عِلَّتِهَا تَكُونُ نَجِسَةً. (اللاويين 12: 2).
ويقول المُعترض الكتاب المقدس أهان مريم العذراء واعتبرها نجسة
الرد:
أوّلاً: مفهوم النجاسة
كما سبق وذكرنا في الكتاب المقدس كلمة النجاسة تُستخدم بعدة معانٍ مختلفة، ويمكن تلخيصها في ثلاث فئات رئيسية:
١- نجاسة شعائرية أو دينية (Cultic Impurity)
وهي تنتج عن الإشتراك في عبادات دينية محرمة كعبادة الأصنام والآلهة الغريبة والوثنية
وَبِأَصْنَامِهِمْ نَجَّسُوهَا.
(حزقيال 36: 18).
٢-نجاسة أخلاقية
(Moral Impurity)
وهي تنتج عن الاشتراك بالخطيئة والفساد الأخلاقي
بكُلِّ هذِهِ لا تتَنَجَّسوا، لأنَّهُ بكُلِّ هذِهِ قد تنَجَّسَ الشُّعوبُ الّذينَ أنا طارِدُهُمْ مِنْ أمامِكُمْ
(اللاويين 18: 24).
٣- نجاسة طقسية
(Ritual Impurity)
حالة طقسية مؤقتة تتعلق بالجسد أو بأحداث طبيعية أو أمراض ولا تعني إهانة أو إحتقار للشخص
وهذا الذي نتكلم عنه في سفر اللاويين 12 .
ونعطي أمثلة أخرى
اللاويين 15: 16 إحتلام رجل يبقي نجس حتى المساء
العدد 19: 11 من يمس ميتاً يجعله نجس سبعة أيام
اللاويين 15: 19 ايضاً في طمثها تكون سبعة أيام ومن يمسها نجس إلى المساء.
النجاسة في هذه الحالات طقسية مؤقتة مرتبطة بالدم أو الإفرازات الجسدية وليست حكماً على قيمة الإنسان.
والأهم النجاسة الطقسية يسمح بها حتى للكاهن المكرّس للرب بعكس النجاسة الدينية والاخلاقية لا يسمح به، بدليل:
(اللاويين 21 : 1-3) وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «كَلِّمْ الْكَهَنَةَ بَنِي هَارُونَ وَقُلْ لَهُمْ: لَا يَتَنَجَّسْ أَحَدٌ مِنْكُمْ لِمَيْتٍ فِي قَوْمِهِ،
إِلاَّ لأَقْرِبَائِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ: أُمِّهِ وَأَبِيهِ وَابْنِهِ وَابْنَتِهِ وَأَخِيهِ
وَأُخْتِهِ الْعَذْرَاءِ الْقَرِيبَةِ إِلَيْهِ الَّتِي لَمْ تَصِرْ لِرَجُلٍ. لأَجْلِهَا يَتَنَجَّسُ.
ثانياً: مريم معفاة
ما جاء في اللاوين ١٢ ان كل امرأة حبلت بزرع بشر إذا ولدت طفل صبي تعتبر نجسة طقسياً أسبوع، أما مريم العذراء لم تحبل بزرع بشر وبالتالي هي معفاة من هذه الشريعة.
وهذا ليس اجتهادي الشخصي بل قول العلامة أوريجانوس(١٨٥-٢٥٤م).
ولمن يحب المراجع جاء في كتاب معمودية الماء والروح الراهب أثناسيوس المقاري صفحة ١٩٤-١٩٥:
(لاوين ١٢: ١-٤) ، وفي ذلك يقول العلامة أوريجانوس:
ان واضع الناموس أضاف هذه الكلمة “حبلت”، لكي يميز تلك التي حبلت وولدت بدون زرع بشر عن باقي النساء، لكي لا تُحسب نجسة كل امرأة تلد الاّ تلك التي حبلت وولدت بدون زرع بشر. ويمكن أن يُضاف أيضا إلى هذه الحقيقة، أن هذه الشريعة كُتبت بخصوص النجاسة التي تتعلق بالنساء. أما عن القديسة مريم فقد قيل ان “عذراء” حبلت وولدت طفلاً. إذن، فدع النساء يحملن نير الناموس، أما العذارى فإنهن متحصّنات منه …
فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟ (لوقا 1: 34).
هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا (متى 1: 23).
كما اننا كلنا نعرف قصة المرأة النازفة التي طهرت عندما لمست هدب ثوب يسوع ، فكم بالأولى مريم العذراء أمّه التي حملته كله في أحشائها تسعة أشهر.
جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. فَفِي الْحَالِ وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا.” (لوقا 8: 44)
كل ما ذكرنا يؤكد أن النجاسة في اللاويين 12 طقسية مؤقتة مرتبطة بالولادة الطبيعية، ومريم العذراء معفاة منها تمامًا لأنها عذراء وكونها حملت يسوع المسيح تسعة أشهر، فلا يمكن الادعاء بأنها كانت “نجسة” طقسيًا أو أخلاقيًا.
ثالثاً: تعليم الكنيسة الكاثوليكية
فقرة 491: على مرّ العصور وعت الكنيسة أن مريم التي غمرتها نعمة الله، قد افتُديت منذ حُبِل بها. هذا ما تعترف به عقيدة الحبل بلا دنس، التي أعلنها البابا بيوس التاسع، سنة ١٨٥٤:
إن الطوباوية العذراء مريم قد صينت، منذ اللحظة الأولى للحبل بها، سليمة من كل لطخة من لطخات الخطيئة الأصلية، وذلك بنعمة من الله الكلي القدرة وبإنعام منه، نظراً إلى إستحقاقات يسوع المسيح مخلص الجنس البشري.
فقرة 492: هذه القداسة الرائعة والفريدة التي أُغنيت بها منذ اللحظة الأولى من الحبل بها تأتيها كلها من المسيح: لقد افتديت بوجه سام، باعتبار استحقاقات ابنها. فوق كلها شخص مخلوق ، باركها الآب بكل انواع البركات الروحية في السماوات، في المسيح (أف ١: ٣) . إنّه اختارها فيه عن محبة، من قبل إنشاء العالم، لتكون قديسة وبغير عيب أمامه (أف ١: ٤)
فقرة 493: آباء التقليد الشرقي يدعون والدة الإله بالكلية القداسة ، ويحتفلون بها على أنّها معصومة من كل وصمة خطيئة، لأن الروح القدس عجنها وكوّنها خليقة جديدة.
لقد لبثت مريم طول حياتها بريئة، بنعمة الله ، من كل خطيئة شخصية.
بما أن الكنيسة نفسها تعلّم أن مريم بلا دنس الخطيئة، فهذا يثبت أن النجاسة المذكورة في اللاويين 12 ليست نجاسة أخلاقية أو خطيئة، بل حالة طقسية مرتبطة بالشريعة بعد الولادة. لذلك عندما يذكر لوقا 2: 22 أن مريم أتمّت أيام التطهير، فهذا يعني طاعتها للشريعة اليهودية وليس إهانتها أو اتهامها بالنجاسة.
رابعاً: طاعة الشريعة
ما فعلته مريم العذراء هو طاعة للشريعة وليس لأنها نجسة طقسياً خاصةً اننا أثبتنا انها معفاة منه.
سبب الطاعة أنّ عائلة الناصرة ستكون المثل والمثال لنا بفضيلة الطاعة وان نلتزم بالكنيسة وشريعة الله فيها.
والأدلة كثير :
١- (لوقا 2: 21): ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي
-الختان كان علامة العهد حسب شريعة موسى، ومع ذلك خضع له يسوع رغم أنه بلا خطية.
٢-(إنجيل لوقا 2: 41) وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ
-هذا يدل على التزام العائلة بشريعة الأعياد
٣-(إنجيل متى 17: 24) “وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى كَفْرَنَاحُومَ تَقَدَّمَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الدِّرْهَمَيْنِ إِلَى بُطْرُسَ وَقَالُوا: «أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ؟ قَالَ: «بَلَى»
-يسوع يدفع ضريبة الهيكل رغم أنه ابن الله وسيد الهيكل
٤- (متى 3: 14) وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!
(متى 3: 15) فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هَكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ
-يسوع يعتمد بتواضع على يد يوحنا المعمدان مع أنه هو يعمد بالروح القدس والنار.
إذن ما فعلته مريم لم يكن بسبب نجاسة طقسية، بل طاعة للشريعة مثلما فعل يسوع نفسه. فالمسيح خضع للختان، واحتفل بالأعياد، ودفع ضريبة الهيكل، وحتى اعتمد من يوحنا المعمدان رغم أنه بلا خطية وربّ الشريعة.
لذلك فإن خضوع مريم لطقس التطهير المذكور في اللاويين 12 والمذكور في لوقا 2: 22 هو طاعة للشريعة وتواضع أمام الله، لا دليل نجاسة.
وبالتالي ينقلب الاعتراض على صاحبه: إن كان الخضوع للشريعة يعني النجاسة، فهل نقول إن المسيح نفسه صار نجسًا عندما خضع لطقوس الشريعة؟ بالتأكيد لا، بل كان ذلك ليكمل البر ويعطي مثال الطاعة. وكذلك فعلت مريم العذراء.
خامساً: إسلامياً
كعاتهم رمتني بدائها وانسلت ، بعدما أثبتنا زيف الإدعاء، نرى أن القرآن هو من يعتبر مريم العذراء كورق الحيض نجسة
جاء بالقرآن سورة مريم ٢٣
قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
تفسير الطبري: وكنت نِسيا منسيًّا: شيئا نُسي فتُرك طلبه كخرق الحيض
تفسير إبن كثير:
وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا: نُسِيَ فتُرِك طَلَبُهُ، كخِرَق الْحَيْضِ إِذَا أُلْقِيَتْ وَطُرِحَتْ لَمْ تُطْلَبْ وَلَمْ تُذْكَرْ
تفسير البغوي:
قَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: جِيفَةٌ مُلْقَاةٌ.
تفسير الدر المنثور جلال الدين السيوطي:
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ البِكالِيِّ، والضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالا: حَيْضَةً مُلْقاةً.
- إذا نسيا منسيا أي حيضة ملقاة أو كخرق الحيض ، والحيض في القرآن هو النجاسة
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى (البقرة 222)
تفسير الطبري: والأذى” هو ما يؤذى به من مكروه فيه. وهو في هذا الموضع يسمى”أذى” لنتن ريحه وقذره ونجاسته
