الإعتراض:

صِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لِكَيْ أَرْبَحَ الْيَهُودَ… وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ… صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا.
كورنثوس الأولى ٩: ٢٠-٢٢

ويقول المُعترض بولس كان إنتهازياً ومتلوّناً، يغيّر شخصيته وعقيدته بحسب الجمهور الذي أمامه.

الرد

أوّلاً: Law of Context

١- بولس وحقّه في الأكل:
أَلَعَلَّنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَأْكُلَ وَنَشْرَبَ كورنثوس الأولى ٩: ٤

٢- بولس وحقّه في الزواج:
أَلَعَلَّنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَجُولَ بِأُخْتٍ زَوْجَةً
كورنثوس الأولى ٩: ٥

٣- بولس وحقّه بعدم العمل:
أَمْ أَنَا وَبَرْنَابَا وَحْدَنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ لَا نَشْتَغِلَ
كورنثوس الأولى ٩: ٦

٤- تنازل بولس لأجل المسيح:
لكِنَّنَا لَمْ نَسْتَعْمِلْ هَذَا السُّلْطَانَ، بَلْ نَتَحَمَّلُ كُلَّ شَيْءٍ لِئَلاَّ نَجْعَلَ عَائِقًا لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ.
كورنثوس الأولى ٩: ١٢

٥- لا يعثر اليهود:
فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ
كورنثوس الأولى ٩: ٢٠

٦- لا يعثر الأمم مع الحفاظ على ناموس المسيح:
وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ – مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ للهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ – لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ
كورنثوس الأولى ٩: ٢١

السياق كله يتحدث عن التنازل عن الحقوق الشخصية من أجل خدمة الآخرين وربحهم للمسيح، لا عن تغيير العقيدة.
فبولس يتكلم عن حقه في الأكل والشرب وأخذ نفقة الخدمة، ثم يشرح أنه تنازل عن بعض حقوقه لكي لا يضع عائقاً أمام قبول الإنجيل.

ثانياً: التكيّف لا التغيير

مثلاً أنا كمسيحي يحل لي أن أشرب قليل من الخمر، ولكن عندما أكون مُستضيف مسلمين عندي في البيت، يمكنني أن أتنازل عن هذا الحق واشرب عصير فقط معهم وذلك لكي لا أعثر المسلمين وأستطيع أن أنقل لهم رسالة المسيح.

فهذا لا يُعتبر تلوّن ولا تغيير عقيدة بل إحترام ثقافات الغير وعاداتهم لأجل غاية أسمى وهي معرفة طريق الخلاص ونور الإنجيل.

ثالثاً: بولس وتمسكه بالتعليم والتقليد

وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»! كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»
غلاطية ١: ٨-٩

فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ.
كورنثوس الأولى ١١: ٢

فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلَامِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا.
تسالونيكي الثانية ٢: ١٥

ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا.
تسالونيكي الثانية ٣: ٦

كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ.
أفسس ٤: ١٤

وَأَمَّا أَنْتَ فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَعَلَّمْتَ وَأَيْقَنْتَ، عَارِفًا مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ.
تيموثاوس الثانية ٣: ١٤

إذاً بولس لم يكن متلوّناً في عقيدته، بل كان ثابتاً على التعليم والتقليد الذي تسلّمه وسلّمه للكنيسة، ورفض أي تغيير أو تحريف له. لذلك فمرونته كانت في أسلوب التعامل مع الناس وثقافاتهم، لا في مضمون الإيمان الذي كان يدعو إليه.

رابعاً: ثبات بولس رغم السجن والاضطهاد

لو كان بولس يغيّر عقيدته بحسب الظروف أو الجمهور، لما احتمل السجون والاضطهاد من أجل الرسالة التي كان يكرز بها. فالكتاب المقدس يذكر تعرضه للسجن مراراً بسبب تمسكه بإيمانه:

١- السجن في فيلبي
فَضَرَبُوهُمَا ضَرَبَاتٍ كَثِيرَةً وَأَلْقَوْهُمَا فِي السِّجْنِ
أعمال الرسل ١٦: ٢٣

٢- القبض عليه في أورشليم
حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ الأَمِيرُ وَأَمْسَكَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُقَيَّدَ بِسِلْسِلَتَيْنِ
أعمال الرسل ٢١: ٣٣

٣- حبسه في قيصرية
وَأَمَرَ أَنْ يُحْرَسَ فِي قَصْرِ هِيرُودُسَ
أعمال الرسل ٢٣: ٣٥

٤- سجنه في روما
فَلَمَّا أَتَيْنَا إِلَى رُومِيَةَ سُلِّمَ بُولُسُ إِلَى قَائِدِ الْعَسْكَرِ
أعمال الرسل ٢٨: ١٦

٥- شهادة بولس عن نفسه
فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرَ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرَ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرَ
كورنثوس الثانية ١١: ٢٣

لأَجْلِ الإِنْجِيلِ أَنَا أُقَاسِي الْمَشَقَّاتِ حَتَّى الْقُيُودِ كَمُذْنِبٍ
تيموثاوس الثانية ٢: ٩

لأَجْلِهِ أَنَا أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا، لَكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ
تيموثاوس الثانية ١: ١٢

فلو كان بولس متلوّناً أو مستعداً لتغيير عقيدته بحسب مصلحته، لكان تراجع عن رسالته وتجنب السجون والقيود والاضطهاد. لكن الواقع التاريخي يُظهر أنه تمسك بما كان يبشر به رغم الثمن الباهظ، مما يؤكد أن مرونته كانت في الأسلوب، لا في العقيدة.

خامساً: إسلامياً

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
سورة التحريم ١

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ
سورة التوبة ٤٣

تفسير الطبري:
قال أبو جعفر: وهذا عتاب من الله تعالى ذكره، عاتبٌ به نبيَّه ﷺ في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، من المنافقين.

تفسير القرطبي:
وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَذِنَ مِنْ غَيْرِ وَحْيٍ نَزَلَ فِيهِ. قَالَ قَتَادَةُ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: ثِنْتَانِ فَعَلَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ولم يؤمر بِهِمَا: إِذْنُهُ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْضِيَ شَيْئًا إِلَّا بِوَحْيٍ وَأَخْذُهُ مِنَ الْأُسَارَى الْفِدْيَةَ فَعَاتَبَهُ اللَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ. (قبل الفدية من أسرى بدر بدلاً من قتلهم)