الإعتراض:

قَدْ شَبِعْتَ خِزْيًا عِوَضًا عَنِ الْمَجْدِ. فَاشْرَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاكْشِفْ غُرْلَتَكَ! تَدُورُ إِلَيْكَ كَأْسُ يَمِينِ الرَّبِّ، وَقُيَاءُ الْخِزْيِ عَلَى مَجْدِكَ. (حبقوق 2: 16).

ويقول المُعترض الرب يطلب كشف الغرلة وهذا كلام جنسي.

الرد:

أوّلاً: Law of context

  • هذه نبوءة مستقبلية عما سيحصل بالأمم المتكبرة الظالمة خاصة بابل.
    فَأَجَابَنِي الرَّبُّ وَقَالَ: «اكْتُبِ الرُّؤْيَا (حبقوق 2: 2)
  • السياق يصف الأمم الظالمة واوّلها بابل
    الرَّجُلَ مُتَكَبِّرٌ وَلَا يَهْدَأُ. الَّذِي قَدْ وَسَّعَ نَفْسَهُ كَالْهَاوِيَةِ، وَهُوَ كَالْمَوْتِ فَلَا يَشْبَعُ، بَلْ يَجْمَعُ إِلَى نَفْسِهِ كُلَّ الأُمَمِ، وَيَضُمُّ إِلَى نَفْسِهِ جَمِيعَ الشُّعُوبِ. (حبقوق 2: 5)
  • بعدها يعلن سلسلة من الويلات ضد الأمم الظالمة:

١- الويل للظالم :
وَيْلٌ لِلْمُكَثِّرِ مَا لَيْسَ لَهُ (حبقوق 2: 6)

٢- الويل للطامع:
وَيْلٌ لِلْمُكْسِبِ بَيْتَهُ كَسْبًا شِرِّيرًا (حبقوق 2: 9)

٣- الويل للقاتل وناشر الإثم: وَيْلٌ لِلْبَانِي مَدِينَةً بِالدِّمَاءِ، وَلِلْمُؤَسِّسِ قَرْيَةً بِالإِثْمِ (حبقوق 2: 12)

٤- الويل لمن يذل الآخرين:
لوَيْلٌ لِمَنْ يَسْقِي صَاحِبَهُ سَافِحًا حُمُوَّكَ وَمُسْكِرًا أَيْضًا، لِلنَّظَرِ إِلَى عَوْرَاتِهِمْ. (حبقوق 2: 15)

ثانياً: المعنى الكتابي

جاء في كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية فقرة رقم ١١٥ في تقليد قديم أنّه من الممكن تمييز معنيين للكتاب المقدس: المعنى الحرفي ، والمعنى الروحي ، على أن يُقسم هذا الأخير إلى معنًى مجازي ، ومعنًى أدبي ، ومعنى تفسيري.

كشف العورة أو الغرلة في العالم القديم والثقافة العبرية القديمة لا تُستخدم إستخداماً جنسياً بل هي صورة مجازية تدل على العار والفضيحة علامة على الإذلال والهزيمة.

لذلك استخدم الأنبياء وهنا النبي حبقوق هذه الصورة مجازيًا للدلالة على الانكشاف والعار أمام الجميع.

الأدلة كثيرة بالكتاب المقدس:

هَأَنَذَا عَلَيْكِ، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ، فَأَكْشِفُ أَذْيَالَكِ إِلَى فَوْقِ وَجْهِكِ، وَأُرِي الأُمَمَ عَوْرَتَكِ وَالْمَمَالِكَ خِزْيَكِ. (ناحوم 3: 5).

تَنْكَشِفُ عَوْرَتُكِ وَتُرَى مَعَارِيكِ. (إشعياء 47: 3).

ثالثاً: السببية العبرية
Hebrew Causative Expression

وهو مصطلح بلاغي معروف يُستخدم بكثرة في الكتاب المقدس خاصة في الأسفار النبوية حيث يُنسب الفعل للرب الإله لأنه صاحب السيادة، رغم أن المعنى هو سماح الرب أو رفع الرب يد الحماية عنه أو حجب الرب لوجهه عنه.

وهذا هو المقصود بهذه النبوءة عندما جاء فيها “وَاكْشِفْ غُرْلَتَكَ”

إذا الرب الإله حجب وجهه عن الأمم الظالمة التي ظلمت باقي الشعوب وسفكت دمها ونشرت الإثم وهو يعلن على لسان يعقوب ان أمم أخرى ستذلها وليس الرب الإله ونسب الفعل للرب لأنه صاحب السيادة، أما الفاعلون فهم باقي الأمم وهذا يظهر من الإصحاح نفسه

فَبَقِيَّةُ الشُّعُوبِ كُلِّهَا تَسْلُبُكَ لِدِمَاءِ النَّاسِ وَظُلْمِ الأَرْضِ وَالْمَدِينَةِ وَجَمِيعِ السَّاكِنِينَ فِيهَا. (حبقوق 2: 8)
إذا بقية الشعوب هي من ستكشف غرلته أي تذله وليس الرب الإله.

رابعاً: تحقيق النبوءة

تاريخياً سقطت بابل سنة 539 ق.م على يد الملك الفارسي Cyrus the Great
الميديون والفرس كانت شعوب خاضعة لبابل اتحدو واسقطوها، وهذا ذكره النبي دانيال لملك بابل بَيْلْشَاصَّرُ Belshazzar.

قُسِمَتْ مَمْلَكَتُكَ وَأُعْطِيَتْ لِمَادِي وَفَارِسَ (دانيال 5: 28)

وهذا يؤكد ان من كشف غرلة أي أذل بابل هم مادي وفارس وهي شعوب لا تأتمر من الرب الإله.

وايضاً بعدها كُشف عار الملك Belshazzar عندما قتل واخذ مملكته داريوس الماديُّ

فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قُتِلَ بَيْلْشَاصَّرُ مَلِكُ الْكَلْدَانِيِّينَ، فَأَخَذَ الْمَمْلَكَةَ دَارِيُّوسُ الْمَادِيُّ (دانيال 5: 30-31)

خامساً: تفسير اليهود:

جاء في Midrash Tanchuma, Beshalach 16:7
للحاخام Tanchuma bar Abba:
Woe unto him that giveth his neighbor drink, that puttest thy venom thereto, and makest him drunken also, that thou mayest look on their nakedness! Thou art filled with shame instead of glory, drink thou also, and be uncovered; the cup of the Lord’s right hand shall be turned unto thee, and filthiness shall be upon thy glory (Hab. 2:15–16). In that night Belshazzar, the Chaldean king, was slain (Dan. 5:30).
ترجمته:
ويلٌ لمن يسقي جاره، ويضع فيه سمّك، ويسكره، لكي تنظر إلى عورته! ستمتلئ بالعار بدل المجد، اشرب أنت أيضًا، وانكشف؛ كأس يمين الرب ستُقلب إليك، والنجاسة ستُلطخ مجدك (حبقوق ٢: ١٥-١٦). في تلك الليلة قُتل بلشاصر، ملك الكلدانيين (دانيال ٥: ٣٠).

المصدر:
https://www.sefaria.org/Habakkuk.2.16?lang=bi&with=Midrash%20Tanchuma

إذا تفسير اليهود يؤكد ان تنكشف عورته تعني قتل ملك بابل الظالم Belshazzar ولا تحمل أي معنى جنسي.

سادساً: إسلامياً

“فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ.” (الأعراف 22)

هل هذا يعني أن الله عرّاهما؟
أو انها علامة على الانكشاف والعار بعد الخطية؟

الخلاصة:
النص في حبقوق 2 لا يتكلم عن فعل جنسي إطلاقًا، بل يستخدم صورة نبوية معروفة في الأدب العبري تشير إلى الإذلال والفضيحة السياسية للأمم المتكبرة، وقد تحقق ذلك تاريخيًا بسقوط بابل ومقتل بلشاصر، كما تؤكد التفاسير اليهودية نفسها. لذلك تفسير النص تفسيرًا جنسيًا هو اقتطاع للنص من سياقه النبوي الكامل.