الإعتراض:

فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، متى ٣: ١٦

ويقول المُعترض إلهكم حمامة.

الرد:

أوّلاً: معنى مجازي

كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية فقرة رقم ١١٥ في تقليد قديم أنّه من الممكن تمييز معنيين للكتاب المقدس: المعنى الحرفي ، والمعنى الروحي ، على أن يُقسم هذا الأخير إلى معنًى مجازي ، ومعنًى أدبي ، ومعنى تفسيري.

فمتى الإنجيلي الذي توجّه ببشارته السّارة إلى اليهود يعلم تماماً لماذا شبّه نزول روح الله على المسيح كحمامة فهو ينقلنا إلى سفر التكوين ١: ٢
وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ

إذاً روح الله كان يرف على وجه المياه كحمامة.
وهذا التشبيه معروف عند اليهود.

ثانياً: تفسير اليهود

أضع حوار كان بين الرابي Yehoshua ben Hananya و Ben Zoma وهذا الحوار مذكور في Chagigah 15a:3 وهي إحدى أوامر المشناه الستة، وهي مجموعة من التقاليد اليهودية المدرجة في التلمود.

نبذة صغيرة عن شمعون بن زوما أحد أتباع الحاخامية في القرنين الأول والثاني الميلادي يُستخدم اسمه دون لقب “حاخام” لأنه توفي في سن مبكرة، وهو تلميذ يوشع بن حنانيا.

أضع الحوار كامل بينهما :
With regard to the fate of ben Zoma, the Sages taught: There was once an incident with regard to Rabbi Yehoshua ben Ḥananya, who was standing on a step on the Temple Mount, and ben Zoma saw him and did not stand before him to honor him, as he was deep in thought. Rabbi Yehoshua said to him: From where do you come and where are you going, ben Zoma, i.e., what is on your mind? He said to him: In my thoughts I was looking upon the act of Creation, at the gap between the upper waters and the lower waters, as there is only the breadth of a mere three fingers between them, as it is stated: “And the spirit of God hovered over the face of the waters” (Genesis 1:2), like a dove hovering over its young without touching them. Rabbi Yehoshua said to his students who had overheard this exchange: Ben Zoma is still outside; he has not yet achieved full understanding of these matters.
وترجمته:
“أما عن مصير بن زوما فقد علم الحكماء: لقد حدثت حادثة ذات يوم تتعلق بالحاخام يوشع بن حنانيا، الذي كان واقفاً على درجة في جبل الهيكل، فرآه بن زوما ولم يقف أمامه ليكرّمه، لأنه كان مستغرقاً في التفكير. فقال له الحاخام يوشع: من أين أتيت وإلى أين تذهب يا بن زوما، أي ماذا يدور في ذهنك؟ فقال له: كنت في أفكاري أنظر إلى فعل الخلق، إلى الفجوة بين المياه العليا والمياه السفلى، حيث لا يوجد بينهما سوى عرض ثلاثة أصابع فقط، كما ورد: “وكان روح الله يرف على وجه المياه” (تكوين 1: 2)، مثل حمامة ترفرف فوق صغارها دون أن تمسها. قال الحاخام يوشع لطلابه الذين سمعوا هذا التبادل: لا يزال بن زوما في الخارج؛ فهو لم يصل بعد إلى الفهم الكامل لهذه الأمور.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Chagigah.15a.3?lang=bi
إذا بإختصار قال Ben Zoma:
وكان روح الله يرف على وجه المياه” (تكوين 1: 2)، مثل حمامة ترفرف فوق صغارها.

يقول الرابي راشي في تفسيره للتكوين ١ ٢ :
AND THE SPIRIT OF GOD WAS HOVERING — The throne of Divine Glory was standing in space, hovering over the face of the waters by the breath of the mouth of the Holy One, blessed be He, and by His command, even as a dove hovers over its nest. In old French acoveter.
وترجمته:
وكان روح الله يرفرف — كان عرش المجد الإلهي واقفًا في الفضاء، يرفرف فوق وجه المياه بنسمة فم القدوس، تبارك اسمه، وبأمره، كما ترفرف الحمامة فوق عشها. بالفرنسية القديمة acoveter.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Genesis.1.2?lang=bi&with=Rashi

ثالثاً: الرموز

ترمز الحمامة إلى:

١- اللطف: “هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي. رؤيا ٣: ٢٠

٢- الوداعة والبساطة: لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. متى ١١: ٢٩

٣- الطهارة: فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. لوقا ١: ٣٥

٤- السلام : “«سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ. يوحنا ١٤: ٢٧
رَئِيسَ السَّلاَمِ.” إشعياء ٩: ٦

٥- الفرح : فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا لوقا ٢٣: ٨

رابعاً: ثماره

وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. إشعياء ١١: ٢

وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، غلاطية ٥: ٢٢

خامساً: تشبيهات روح القدس

١- النار
وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار أعمال الرسل ٢: ٣
ترمز إلى القوة والتطهير والحضور الإلهي.

٢- الريح / النسمة
وهبّت ريح عاصفة أعمال ٢: ٢
وأيضاً كلمة «روح» بالعبرية واليونانية تحمل معنى الريح والنَّفَس.

٣- الماء
تجري من بطنه أنهار ماء حي.. قال هذا عن الروح يوحنا ٧: ٣٨-٣٩
رمز للحياة والتجديد.

٤- الزيت – المسحة
مسحة من القدوس يوحنا الأولى ٢: ٢٠
الزيت يرمز للتكريس والحلول الإلهي.

٥- الختم
خُتمتم بروح الموعد القدوس أفسس ١: ١٣
رمز الملكية والحفظ.

٦- العربون
الذي أعطانا أيضاً عربون الروح كورنثوس الثانية ١: ٢٢

إذاً قول الإنجيل إن روح الله نزل «مثل حمامة» هو تشبيه رمزي مجازي، وقد شُبه بعدة تشابيه مثل النار والمياه وغيرها.. وليس وصفاً حرفياً لله. وهذا الرمز معروف عند اليهود منذ تكوين ١: ٢ حيث شُبّه روح الله بحمامة ترفّ فوق المياه، كما فسّره التلمود والرابي راشي. وترمز الحمامة في الكتاب المقدس إلى السلام والطهارة والوداعة واللطف، وهي صفات تعبّر عن عمل الروح القدس.