الإعتراض:

إشعياء ٤٢: ١
هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ

ويقول المُعترض إن هذه نبوءة عن رسول الإسلام محمد.

الرد:

أوّلاً: Law of Context

بتحليل سياق النص سنقوم بتحديد المعايير التي وصف بها أشعياء هذه الشخصية لنعلم من المقصود.

١- عبد الرب المختار
«هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي» (إشعياء ٤٢: ١)

٢- حلّ عليه روح الرب
«وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ» (إشعياء ٤٢: ١)

٣- رسالته لجميع الأمم
«فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ» (إشعياء ٤٢: ١)

٤- وديع لا يعتمد على الصياح والعنف
«لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ» (إشعياء ٤٢: ٢)

٥- رحيم بالضعفاء والمنكسرين
«قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ»
(إشعياء ٤٢: ٣)

٦- عهد للشعب ونور للأمم
«وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ» (إشعياء ٤٢: ٦)

٧- يفتح عيون العمي
«لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ» (إشعياء ٤٢: ٧)

٨- يحرر المأسورين ويخرج الجالسين في الظلمة
«لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ» (إشعياء ٤٢: ٧)

ثانياً: التقييم القائم على المعايير
Criteria-Based Evaluation

سنطبق هذه المعايير على رسول الإسلام محمد لنرى إن كانت مطابقة للمواصفات.

١- عبد الرب المختار
قد يعترض المسلم قائلاً: محمد عبد الله ورسوله، أما المسيح عندكم فهو الله المتجسد، فكيف تكون النبوءة عنه؟

الجواب من الكتاب المقدس نفسه:
«الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ» (فيلبي ٢: ٦-٧)

بل إن أشعياء نفسه يوضح هوية هذا العبد:
«مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا» (إشعياء ٥٣: ١١)

فمن هو هذا العبد الذي يحمل آثام الناس ويبرر كثيرين؟

هل محمد حمل آثام البشر؟

أما المسيح فقد أخذ صورة عبد وحمل خطايا العالم بحسب شهادة الكتاب المقدس.

٢- الذي سُرَّت به نفس الرب
يقول النص:
«مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي» (إشعياء ٤٢: ١)

وهذا تحقق حرفياً في المسيح:
«وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (متى ٣: ١٧)
فعبارة أشعياء نفسها نجدها معلنة من السماء عن يسوع المسيح.

٣- وضعت روحي عليه
يقول النص:
«وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ» (إشعياء ٤٢: ١)
فهل ينطبق هذا على محمد؟

القرآن نفسه يقول:
«وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» (الإسراء ٨٥)

بل إن القرآن يصف المسيح بأنه:
«إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» (النساء ١٧١)

أما الإنجيل فيعلن بصورة واضحة:
«وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ، بِكَ سُرِرْتُ» (لوقا ٣: ٢٢)
إذاً معيار «وضعت روحي عليه» يتحقق حرفياً في المسيح.

٤- يخرج الحق للأمم
يقول النص:
«فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ» (إشعياء ٤٢: ١)
فهل أتى محمد لجميع الأمم؟
القرآن يقول:
«إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (يوسف ٢)

بينما أوصى المسيح تلاميذه:
«فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (متى ٢٨: ١٩)

وقد تحقق ذلك عملياً يوم العنصرة:
«وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا» (أعمال الرسل ٢: ٤)

فتنطبق العالمية المذكورة في النص على المسيح ورسالته.

٥- لا يصيح ولا يرفع صوته وقصبة مرضوضة لا يقصف
يقول النص:
«لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ» (إشعياء ٤٢: ٢-٣)

فهل هذا ينطبق على محمد؟
ورد في صحيح البخاري:
«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ…» (صحيح البخاري، حديث ٢٥)

بينما قال المسيح:
«رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ» (متى ٢٦: ٥٢)
فتنسجم صورة العبد الوديع الرحيم مع المسيح بصورة أوضح.

٦- عهد للشعب ونور للأمم
يقول النص:
«وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَمِ» (إشعياء ٤٢: ٦)

وقال سمعان الشيخ عن المسيح:
«نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ» (لوقا ٢: ٣٢)
فتنطبق عليه عبارة «نور للأمم» بصورة مباشرة.

٧- لتفتح عيون العمي
يقول النص:
«لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ» (إشعياء ٤٢: ٧)

فهل ينطبق هذا على محمد؟
نقرأ:
«عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى» (عبس ١-٢)

أنَّ قومًا أغاروا على لقاحِ رسولِ اللَّه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فأتى بهم النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقطعَ النَّبيُّ أيديَهُم وأرجلَهُم وسملَ أعينَهُم.
خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح
الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي | الصفحة أو الرقم : 4049
| التخريج : أخرجه النسائي (4038)، وابن ماجه (2579)، والبزار (76)، والمخلص في ((المخلصيات)) (1357)

أما المسيح فقد فتح أعين العميان فعلياً:
«فَذَهَبَ وَاغْتَسَلَ وَعَادَ بَصِيرًا» (يوحنا ٩: ٧)
وأيضاً:
«فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا، فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا» (متى ٢٠: ٣٤)

والأدلة كثيرة تؤكد أن هذا الوصف ينطبق على المسيح.

٨- يخرج المأسورين من الحبس
يقول النص:
«لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ» (إشعياء ٤٢: ٧)

تحققت بفداء وقيامة المسيح:
وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ، وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ.»
(متى ٢٧: ٥٢-٥٣)
فَإِنَّ الْمَسِيحَ تَأَلَّمَ أَيْضًا مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا… الَّذِي فِيهِ أَيْضًا ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ.»
(بطرس الأولى ٣: ١٨-١٩)

ونقرأ في نبوة أخرى عن الشخصية نفسها:
«رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ» (إشعياء ٦١: ١)
كما يقول أيضاً:
«لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالًا عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ» (إشعياء ٦١: ٣)

فما علاقة محمد بصهيون؟
النص يتحدث عن شخصية مرتبطة بصهيون وبعمل الخلاص الموعود.

٩- هوية هذه الشخصية في سفر أشعياء نفسه
يقول أشعياء:
«وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ» (إشعياء ١١: ١)

فهل محمد من نسل يسّى؟
الجواب: لا.
أما المسيح فهو ابن داود الخارج من نسل يسّى بحسب شهادة الإنجيل.

ثالثاً: المسيح نفسه أعلن أن هذه النبوة عنه

قرأ المسيح من سفر أشعياء:
«رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ وَلِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ» (لوقا ٤: ١٨-١٩)
ثم أعلن:
«إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ» (لوقا ٤: ٢١)

رابعاً: تفسير اليهود

ترجوم يوناثان
Targum Jonathan
أعلن أن المقصود المسيح :
Behold, my servant, the Messiah, whom I bring, my chosen in whom one delights: as for my Word, I will put my Holy Spirit upon him; he shall reveal my judgment unto the nations.
ترجمته:
ها هو عبدي المسيح الذي آتي به، مختاري الذي يسر به المرء: أما كلمتي، فسأضع عليه روحي القدوس؛ وهو سيكشف حكمي للأمم.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Targum_Jonathan_on_Isaiah.42.1?lang=bi

ويقول الرابي Steinsaltz
Behold, My servant, the Messiah; alternatively, it refers to the nation of Israel or the prophet, I will support him; My chosen one, the one My soul desires; I placed My spirit upon him. He will not lead the nation of Israel alone, rather he will dispense justice to the nations.
ترجمته:
ها هو عبدي المسيح، أو بالأحرى، أمة إسرائيل أو النبي، سأدعمه؛ مختاري، الذي تشتهيه نفسي؛ وضعت روحي عليه. لن يقود أمة إسرائيل وحده، بل سيقيم العدل بين الأمم.

المصدر:
https://www.sefaria.org/Isaiah.42.1?lang=bi&with=Steinsaltz

الخلاصة

بتطبيق Law of Context على إشعياء ٤٢ يتبين أن النص يضع معايير واضحة للشخصية المقصودة: عبد الرب المختار، الذي يحل عليه روح الرب، ويُخرج الحق للأمم، ويكون نورًا للأمم، ويفتح عيون العمي، ويحرر المأسورين، ويرتبط بسياق الخلاص الموعود في سفر أشعياء. وعند إجراء Criteria-Based Evaluation لا نجد هذه المعايير متحققة في محمد، بينما تنطبق بصورة متسقة على يسوع المسيح بحسب شهادة الأناجيل ونبوات أشعياء نفسها. ويزداد الأمر وضوحًا عندما يعلن المسيح صراحةً أن هذه النبوات قد تمت فيه (لوقا ٤: ٢١)، بل إن بعض أقدم التفاسير اليهودية، مثل ترجوم يوناثان، فسّرت النص على أنه يتحدث عن المسيح. لذلك فإن سياق النص، ومعاييره الداخلية، وشهادة المسيح نفسه، والتفسير اليهودي القديم، جميعها تشير إلى أن إشعياء ٤٢ يتحدث عن المسيح، لا عن محمد.