الإعتراض:

وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟”
متى ٢٧: ٤٦

ويقول المُعترض إذا كان المسيح إلهاً كيف يستغيث بالإله؟

الرد:

أوّلاً: إقتباس وليس إستغاثة.

المسيح يصرخ مُشيراً إلى مزمور ٢٢ وهو المزمور التي فيه نبوءات الصلب، ويبدأ المزمور بعبارة “إلهي إلهي لماذا تركتني”؟

ويجدر الإشارة إلى أن في زمن المسيح كانت أول آية المزمور تٍشير إلى المزمور المُشار إليه، فإصحاحات الكتاب المقدس لم ترقّم بشكله الحالي حتى عام ١٢٢٦ ورُقمت الآيات عام ١٥٥١

جاء في كتاب “الكتاب المقدس، من البشارة إلى النصّ” للمطران جوزيف نفّاع صفحة ٢٩-٣٠
في أول الأمر، لم يكن الكتاب المقدس مقسما إلى فصول وآيات. ولكن هذا الوضع جعل من الصعب جدا الاستدلال إلى نص ما أو الوصول إلى أحد المقاطع في السفر، كان لا بد من إيجاد طريقة ما للإشارة إلى كل نص أو كل فقرة أو كل آية…
بقي الحال على ما هو عليه حتى سنة ١٢٢٦، حين قسم إتيان لانغتون الكتاب المقدس إلى فصول؛ فحاول أن يضع رقما لكل صفحة أو لكل قصة وجزء من قصة. وفي سنة ١٥٥١، خلال رحلة قطار بين ليون وباريس، وبسبب طول مدة هذه الرحلة، أراد روبير إستيان أن يمرر الوقت بوضع رقم لكل جملة من هذه الفصول.

ثانياً: Criteria-Based Evaluation

١- مزمور ٢٢: ٧-٨
كل الذين يرونني يستهزئون بي. يفغرون الشفاه، وينغضون الرأس قائلين:
اتكل على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سر به
تحققت في متى ٢٧:
٤١ وَكَذَلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا:
٤٢ «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيبِ فَنُؤْمِنَ بِهِ!
٤٣ قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ

٢- مزمور ٢٢: ١٨
يقسمون ثيابي بينهم ، وعلى لباسي يقترعون
تحقّقت في متى ٢٧: ٣٥
وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً».

٣- مزمور ٢٢: ١٦
ثقبوا يديّ ورجلي
تحقّقت في متى ٢٧: ٣٥
وَلَمَّا صَلَبُوهُ (الصلب تم بثقب اليدين والرجلين)

٤- مزمور ٢٢ يشهد لألوهية المسيح وأنه سيُعبد
مزمور ٢٢: ٣٠
الذرية تتعبد له. يخبر عن الرب الجيل الآتي

ثالثاً: Law of context

عندما نادى المسيح بمزمور “إلهي إلهي لماذا تركتني” المزمور ٢٢ آمن به أحد اللصين المصلوبين معه لأنه انفتحت أعينه على المزمور وأنه هذا هو المسيح المخلص وطلب منه الخلاص.

١- اللصان يعيّرانه
متى ٢٧: ٤٤
وَبِذَلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ.

٢- إقتباس المسيح للمزمور ٢٢
متى ٢٧: ٤٦
صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟

٣- آمن أحد اللصوص وتاب:
لوقا ٢٣:
٣٩ وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلًا: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!»
٤٠ فَأَجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهُ قَائِلًا: «أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟
٤١ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ».
٤٢ ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: «اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ».
٤٣ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ».

يُظهر سياق الأحداث أن صرخة المسيح: «إلهي إلهي لماذا تركتني» لم تكن صرخة يأس، بل اقتباسًا مقصودًا من مزمور ٢٢ المعروف لدى اليهود. فبينما كان اللصان في البداية يعيّرانه (متى ٢٧: ٤٤)، تغيّر موقف أحدهما لاحقًا فاعترف ببراءة المسيح وآمن بملكوته وطلب منه الخلاص. وهذا يشير إلى أن كلمات المسيح وما رافقها من تحقيق لنبوءات مزمور ٢٢ فتحت عيني اللص التائب ليرى في المصلوب المسيح المنتظر، فانتقل من التعيير إلى الإيمان، ومن الرفض إلى نيل وعد الفردوس.

رابعاً: Textual Consistency

الإتساق النصي يظهر ان المسيح كان يقتبس المزمور ٢٢ ويشير إليه لأنه قبل ساعات قليلة من الصلب قال المسيح:

«وَتَتْرُكُونَنِي وَحْدِي. وَأَنَا لَسْتُ وَحْدِي لأَنَّ الآبَ مَعِي» يوحنا ١٦: ٣٢

فإذا كان المسيح نفسه قد أعلن أن الآب معه، فلا يمكن فهم عبارة «إلهي إلهي لماذا تركتني» على أنها نداء للإله وتركه له، بل يجب فهمها في ضوء اقتباسه لمزمور ٢٢.